الصفحة 38 من 66

من اللوم وتقليدا لآبائه وأجداده وقد قال بنفسه:

ولقد علمتُ بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبةٍ ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا

5 -كفر الجهل: وسببه عدم العلم بدعوة الرسول، إما بسبب إيثار الدنيا على الآخرة، أو بسبب متابعة ما عليه الأسلاف من عقائد وعادات في مخالفة دين الله تعالى، أو غير ذلك من الأسباب المانعة، ولا يكون الجهل في هذه الحالة عذرا، وفي ذلك يقول الله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) [1] ، فسماهم الله مشركين مع وصفهم بعدم العلمن وهذا المعنى كثير في القرآن.

6 -كفر الإعراض: وهو أن لا يتعلم دين الله تعالى ولا يعمل به مطلقا، وهذا كما قال تعالى (والذين كفروا عما أنذروا معرضون) [2] ، وقال تعالى (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه) [3] ، وقال تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) [4] .

ومن المعلوم أن هذا الإعراض لا يكون كفرا إلا إذا منع صاحبه من اتباع الرسول جملة، أو منعه من تعلم ما يدخل في أصول الدين ثم انبنى على هذا الجهل الوقوع في المكفرات، فليس كل إعراض مكفرا، بل المكفر منه ما كان سببا إلى الكفر بأي وجه كان، وقد قال سبحانه وتعالى في بيان هذا (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) [5] ، فأخبر سبحانه أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعَشوِه عن ذكره الذي أنزله علي رسوله، فكان عقوبة هذا الإعراض أن قيض له شيطانه يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب أنه مهتد، فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى كما قال تعالى (ويحسبون أنهم مهتدون) ؟ قلنا: لا عذر لهذا وأمثاله من الضُّلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو ظن أنه مهتد، فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أُتِى من تفريطه وإعراضه، وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكم آخر، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول، وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه، كما قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ، وقال تعالى (رسلا

(1) سورة التوبة، الآية: 6.

(2) سورة الأحقاف، الآية: 3.

(3) سورة الكهف، الآية: 57.

(4) سورة طه، الآية: 124.

(5) سورة الزخرف، الآية: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت