ونظير هذا المعنى الذي ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) ففهم عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن من أتى الشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله صلى الله عليه وسلم (فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) وقال: الزكاة حق المال، وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم منهم ابن عمر وأنس وغيرهما وذلك قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) وقد سبق، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) ولا تثبت أخوة الدين إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، ولما قرر أبو بكر رضي الله عنه هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا، فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام فكذلك عقوبة الآخرة، ويحقق هذا أن من جحد آية من كتاب الله تعالى أو معلوما من الدين بالضرورة أو أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو كافر و إن اندرج في هذه العمومات وكان من الناطقين بالشهادتين، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل الإسلام والحمد لله رب العالمين.
قال المنذري رحمه الله:
وقد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار ونحو ذلك إنما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد فلما فرضت الفرائض وحدت الحدود نسخ ذلك والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة، وإلى هذا القول ذهب الضحاك والزهري وسفيان الثوري وغيرهم، وقالت طائفة أخرى: لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته، فإذا أقر ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحدا أو تهاونا على تفصيل الخلاف فيه حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة وهذا القول أيضا قريب، وقالت طائفة أخرى: التلفظ بكلمة التوحيد سبب يقتضي دخول الجنة والنجاة من النار بشرط أن يأتي بالفرائض ويجتنب الكبائر فإن لم يأت بالفرائض ولم يجتنب الكبائر لم يمنعه التلفظ بكلمة التوحيد من دخول النار وهذا قريب مما قبله أو هو هو والله سبحانه وتعالى أعلم [1]
وقال الشوكاني رحمه الله: قد أطبق أئمة المسلمين من السلف والخلف والأشعرية والمعتزلة وغيرهم أن الأحاديث الواردة بأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة مقيدة بعدم الإخلال بما أوجب الله من سائر الفرائض وعدم فعل كبيرة من الكبائر التي لم يتب فاعلها عنها وأن مجرد الشهادة لا يكون موجبا لدخول الجنة ... وإنما ذكرنا هذا
(1) الترغيب والترهيب ج2/ 266، راجع التمهيد لابن عبد البر ج9/ 240.