الصفحة 32 من 66

للتعريف بإجماع المسلمين على أن هذه الأحاديث مقيدة بعدم المانع [1]

الجواب الثالث وهو قريب من الوجه السابق: أن هذه الأحاديث هي فيمن قالها ومات عليها دون أن ينقضها بناقض أو يخدشها بخادش يؤثر في نقائها، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، وقد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وأن كثيرا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها [2] ، وتواترت الأحاديث أيضا بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم [3] ، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله ومع ذلك دخلوا النار بذنوبهم.

ونحن نعلم انه قد تواتر أيضا أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله محمدا رسول الله، لكنها وكما ذكرنا قد جاءت مقيدة بالقيود الثقال كما بينا، وكثير ممن يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، فيحال بينه وبنيها، وبعض من يقولها إنما يقولها تقليدا أو عادة ولم يخالط الإيمان بشاشه قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء، كما جاء في الحديث أنه أحدهم يقول عند سؤال الملائكة له في القبر (سمعت الناس يقولون شيئا فقلته) [4] ، وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث إن شاء الله

(1) نيل الأوطار ج1/ 376.

(2) عن أبي سعدي الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما تُضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة .... ) الحديث وفيه: قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم ... ) إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (فيقول ـ أى رب العزة جل وعلا ـ:(ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار فأخرجوه) ـ أى من النار ـ فيُخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقول: (ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه) ، فيُخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقول: (ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه) ، فيُخرجون خلقا كثيرا ... ) وفي لفظ آخر عنه قال صلى الله عليه وسلم: (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى:(أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) ، فيخرجون منها قد اسودوا، فيُلقون في نهر الحيا ـ أو الحياة شك مالك ـ فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية).

(3) روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن ناسا قالوا لرسول الله: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله قال (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه ... ) الحديث وفيه (ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول التابعين ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟) قالوا: نعم يا رسول الله قال (فإنها مثل شوكه غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل) .

(4) روى أحمد وأبو داود وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، جلس رسول الله وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض فرفع رأسه فقال (استعيذوا بالله من عذاب القبر) مرتين أو ثلاثا، ثم قال (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون يعنى بها على ملأ من الملائكة الا قالوا ما هذا الروح الطيب، فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد في السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجئ بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، وان العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب؟ فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة الا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله(لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ثم قرأ (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) ، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى، فينادى مناد من السماء: أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجئ بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت