الصفحة 30 من 66

وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيرا فيما يناقضها والتوفيق بيد الله والله المستعان [1] فالمقصود أن النطق بالشهادتين نافع لمن لم يقع في الكفر وحافظ على نقاء هذه الكلمة وصفائها وقد بينا سابق أن ترك الصلاة من المكفرات المنصوص عليها فهي قادحة في الشهادتين مبطلة لفائدتها.

وحاصل هذا الوجه: أن قول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمتها، ولهذا قيل للحسن: إن ناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة، وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح، ويدل على ذلك أن الله رتب دخول الجنة على الإيمان والأعمال الصالحة فقال تعالى (ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) [2] وهذا المعنى واضح في القرآن لمن تدبره فلا نطيل فيه.

وكذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال صلى الله عليه وسلم (تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصل الرحم) [3] ، وعن بشر بن الخصاصية رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فاشترط علي شهادة أن لا أله إلا الله وأن ومحمدا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأن أوتي الزكاة وأن أحج حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله أما اثنتين فوالله ما أطيقها الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها وقال (لا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذا؟) قلت: يا رسول الله أبايعك عليهن كلهن [4] ، ففي هذا الحديث بيان أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والحج والصيام والأحاديث في هذا الباب كثيرة وقد سبق بعضها.

(1) راجع: جامع العلوم والحكم ج1/ 209 ط: دار المعرفة، معارج القبول ج2/ 418.

(2) سورة غافر، الآية: 40.

(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن حبان والبيهقي والطبراني كلهم عن أبي أيوب الأنصاري، ولفظه عند البخاري أن رجلا قال للنبي: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: ماله ماله، وقال النبي (أرب ماله، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) ، وعند مسلم أن أعرابيا عرض لرسول الله وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله ـ أو يا محمد ـ أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار؟ قال: فكف النبي ثم نظر في أصحابه ثم قال (لقد وفق ـ أو لقد هدى ـ) قال: كيف قلت؟ فأعاد، فقال النبي (تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة)

(4) رواه أحمد والبيهقي في السنن والشعب والاعتقاد والحاكم والطبراني والخطيب في تاريخ بغداد ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وبشير بن الخصاصية من المذكورين في الصحابة من الأنصار رضي الله عنهم، وقال الهيثمي: رجال أحمد موثقون، قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت