وقد صح سماعه من ابن عباس ،و منصور عندهم أتقن من الأعمش ، و الأعمش أيضًا مِن الحفاظ ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة ، والإِسناد كيفما دار كان متصلًا ،
وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا .
وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة ، وعلله الناقد بالمزيدة ، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف ،
فيُنْظر:
إن كان الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا ،
أو صرح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى ، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك ،
وإن لم يوجد وكان الانقطاع ظاهرًا ، فمحصل الجواب أنه إنما أخرج مثل ذلك حيث له سائغ وعاضد ، وحفته قرينة في الجملة تقويه ، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع ،
مثاله:
ما رواه البخاري من حديث أبي مروان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة ، أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال لها: ( إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ) الحديث ،
قال الدارقطني:
هذا منقطع ، وقد وصله حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة ، ووصله مالك في الموطأ عن أبي الأسود عن عروة كذلك ،
قال الحافظ:
حديث مالك عند البخاري مقرون بحديث أبي مروان ، وقد وقع في رواية الأصيلي عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة موصلًًا ، وعليها اعتمد المزّي في الأطراف ، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب ،
قال أبو علي الجياني:
وهو الصحيح ، وكذا أخرجه الإِسماعيلي بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان ، و محاضر و حسان بن إبراهيم ، كلهم عن هشام وهو المحفوظ من حديثه .
وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب ،
ثم ساق معها رواية هشام التي أسقطت منها ، حاكيًا للخلاف فيه على عروة كعادته ،
مع أن سماع عروة من أم سلمة ليس بالمستبعد .
وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعى فيها الانقطاع ، لكونها مروية بالمكاتبة والإِجازة ،
وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ ذلك ،