أراك تحب أهل التَّوَاضُع والصدق والأمانة حَتَّى لَو رَأَيْت قُبُورهم وآثارهم لأحببتها فِيمَا تزْعم وَتكره خصالهم الَّتِي بهَا نالوا الْحبّ مِنْك حَتَّى لَو قدرت أن تكون فِي أعدى عَدوك بعد أن تَزُول عَنْك لَكَانَ ذَلِك منيتك
فإمَّا أن تكون تُرِيدُ مخادعة الله إذ علمت أنه يطلع مِنْك على ذَلِك، وأما أن تكون لَا تحسن أن تطلب الْخَيْر
يَا أخي إن الجائع يحب الْخبز وأن العطشان يحب المَاء وَلَو جعل الْخبز وَالْمَاء بَين أيديهما على مائدة أوْ علق فِي اعناقهما مَا نفعهما علمهما بِأَن الْخبز وَالْمَاء مَعَهُمَا وَلَا ينفعهما قربهما مِنْهُمَا دون أن يأكلا من الطَّعَام ويشربا من الشَّرَاب
وَهَكَذَا أنت لَا ينفعك علمك بِالْخَيرِ وَلَا قربه مِنْك وَلَا حبك لَهُ حَتَّى يكون فِيك وَتَكون من أهله بل لَا أزعم أنك تحبه وَلَكِنَّك مخدوع أوْ مخادع فِي دعواك أنك تحبه
يَا أخي هَل رَأَيْت عطشان استمكن من المَاء الْبَارِد فَلم يشربه إلا مُدع للعطش لَيْسَ بعطشان
أَو هَل رَأَيْت جوعان وجد طَعَاما قد أمكنه فَلم يَأْكُلهُ إلا مُدع للجوع لَيْسَ بجوعان
فَمَا أبين ابطال دعواك فِيمَا تزْعم أنك تحب الْخَيْر وأهله إذا قست مَا تحب من الدُّنْيَا بِمَا تحب من الْآخِرَة لاني أراك إذا أحببت شَيْئا من الدُّنْيَا أحببت إلا يكون لَهُ مَالك غَيْرك هَذَا هُوَ الْحبّ الصَّادِق بِعَيْنِه فَإِذا أحببت شَيْئا من أعمال الصَّالِحين فِيمَا تزْعم فَلَيْسَ شَيْء اثقل عَلَيْك من أن تكون أنت صَاحبه وَلَو كنت محبا لَهُ لأحببت إلا يكون أحد سَبَقَك وَلَا يملك مِنْهُ أكثر من الَّذِي تملك
يَا أخي أما آن لَك أن تمل وتشبع من الْكَذِب والاغترار بِاللَّه تَعَالَى أما آن لَك أن تحب أن يكون اسْمك يَوْمًا وَاحِدًا من جَمِيع عمرك مَعَ أسماء الصَّالِحين المتواضعين المخلصين الناصحين الشَّاكِرِينَ الراضين الصابرين الْمُسلمين الواثقين المتوكلين المفوضين الْخَائِفِينَ المشتاقين العارفين الْعَالمين الموقنين.
بِحَق أقول لَك لَو مَاتَ أحد من الْعجب كَانَ يَنْبَغِي لَك أن تَمُوت مَكَانك إذا نظرت فِيمَا أنت فِيهِ من إيثارك للدنيا وإقبالك عَلَيْهَا مَعَ استيقانك بِأَنَّهَا لَا شَيْء ورضاك بترك طَرِيق الصَّالِحين وأهل الْخَيْر وصحبة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومجاورته فِي الْجنَّة
فَلَو كَانَت صحبته فِي الدُّنْيَا ثمَّ تركت الدُّنْيَا كلهَا وآثرت صحبته لَكَانَ الَّذِي تركت حَقِيرًا عِنْد الَّذِي نلْت فَكيف الصُّحْبَة فِي الْجنَّة مَعَ دوَام الْملك فِي جوَار الله وَجوَار أحبابه مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أولئك رَفِيقًا فِي الْحبرَة وَالنعْمَة وَالسُّرُور الدَّائِم الأبدي
فراجع نَفسك يَا أخي وَانْظُر مَا فِي هَذِه المخادعة وَمَا الَّذِي قد غلبك وَغلب يقينك أوْ مَا هَذِه الخدعة الَّتِي دخلت عَلَيْك
وفكر فِيمَا تصير إليه من موازنة عَمَلك وسؤال الله إياك عَن مَثَاقِيل الذَّر والخردل وَمَا فَوق ذَلِك وَدون ذَلِك
وفكر فِي سرعَة انْقِضَاء الأجل وَعَلَيْك بقصر الأمل فَلَا تُفَارِقهُ وَلَا يفارقك طرفَة عين لَا فِي ليل وَلَا فِي نَهَار
يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لَا تدهش وَلَا يذهب عقلك تَعَجبا من أمرك
فراجع أمرك وَانْظُر مَا يُرَاد مِنْك فَإِنَّمَا يُرَاد مِنْك إذا عملت عملا أن تُرِيدُ بِهِ وَجه الله أوْ لَا تعمله فَهَل تكون أقل من هَذَا هَذَا فِي نوافلك وأما فرائضك فَإنَّك غير مَعْذُور فِي تَضْييع مِثْقَال ذرة مِنْهَا حَتَّى تعْمل بِمَا أمرت بِهِ وتنتهي عَمَّا نهيت عَنهُ وَمَا كلفت أمرا لَا تُطِيقهُ وَمَا كلفت مَا لم يُكَلف بِهِ غَيْرك
وَيُرَاد مِنْك مَعَ ذَلِك أن تُرِيدُ للنَّاس الْخَيْر وأن لم ترد لَهُم الْخَيْر فَلَا ترد لَهُم الشَّرّ فَهَل تكون أقل من هَذَا أوْ ترْضى لنَفسك أن النَّاس يُرِيدُونَ لَك الْخَيْر وأنت تُرِيدُ لَهُم الشَّرّ
وَيُرَاد مِنْك ألا تجْعَل نَفسك فَوق النَّاس فِي نَفسك لَا بقلبك وَلَا بلسانك أفتكون أقل من هَذَا وَقد دعيت أنت وَالنَّاس إلى هَذَا لَا أنت وَحدك.