(الْخَوْف)
وَالْخَوْف على قدر الذُّنُوب فَلَو كَانَ الرَّجَاء يَسْتَقِيم بِلَا عمل لَكَانَ المحسن والمسيء فِي الرَّجَاء سَوَاء وَقد قَالَ الله تَعَالَى {الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله} وَقَالَ {إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ}
وَمعنى الحَدِيث الَّذِي جَاءَ"لَو وزن رَجَاء الْمُؤمن وخوفه لاعتدلا"يَنْبَغِي أن يكون خَاصّا بَين أهله وَهُوَ قبل الحَدِيث الآخر"الْمُؤمن كذي قلبين قلب يَرْجُو بِهِ وقلب يخَاف بِهِ"فَإِنَّمَا هُوَ إذا أحسن رجا وإذا أساء خَافَ مَعَ التَّوْبَة والندم والإقلاع
فَأَما من عرف نَفسه بِكَثْرَة الإساءة فَيَنْبَغِي أن يكون خَوفه على قدر ذَلِك ورجاؤه على قدر مَا يعرف من نَفسه من الإحسان لأن الرَّجَاء على قدر الطّلب وَالْخَوْف على قدر الْهَرَب.
(الْخَوْف والحزن)
وَسِيلَة تَحْصِيل الْخَوْف والحزن
وتعاهد يَا أخي قَلْبك عِنْد هممه وألزمه الفكرة فِي أَمر الْمعَاد فَلَا تفارق قَلْبك وتوهم بقلبك هول المطلع عِنْد مُفَارقَة الدُّنْيَا وَترك مَا قد بذل أهلها فِيهِ مهج نُفُوسهم وتدنيس أعراضهم وإخلاق مروءاتهم وانتقاص أديانهم ثمَّ تركُوا ذَلِك كُله وَقدمُوا على الله فُرَادَى آحَاد مَعَ مَا قد وردوا عَلَيْهِ من وَحْشَة الْقَبْر وسؤال مُنكر وَنَكِير وأهوال الْقِيَامَة وَالْوُقُوف بَين يَدي الله والمساءلة عَن جَمِيع مَا كَانَ مِنْهُم من قَول أَو فعل من مثل مَثَاقِيل الذَّر وموازين الْخَرْدَل
وسؤاله عَن الشَّبَاب فيمَ أبلى شبابه وَعَن الْعُمر فيمَ أفنى عمره وَعَن المَال من أَيْن اكْتسب وَعَمن منع وفيم أنفق وَعَن الْعلم مَاذَا عمل فِيهِ وَعَن جَمِيع الْأَعْمَال الَّتِي صدقُوا فِيهَا وَالَّتِي كذبُوا فِيهَا فَإنَّك يَا أخي إِن شغلت قَلْبك بذلك وأسكنته إِيَّاه وَكَانَ فِيك شيء
من صِحَة تركيب الْعقل فَإِنَّهُ سيكل مِنْك لسَانك وَلَا يعدمك الْخَوْف اللَّازِم مَعَ الْحزن الدَّائِم والشغل الْمُحِيط بقلبك.
وَإِن إِبْلِيس إِنَّمَا يسور عَلَيْك فِي الآثام من وَسْوَسَة نَفسك وخراب قَلْبك
وخرابه إِنَّمَا يكون إذا كَانَ فَارغًا من الْخَوْف اللَّازِم والحزن الدَّائِم فَحِينَئِذٍ ينفث فِيهِ بالوسوسة لآمال الدُّنْيَا وَالْجمع لَهَا مَخَافَة فقرها مَعَ لُزُوم طول الأمل لقلبك وإعراضه عَن الله تَعَالَى وَانْقِطَاع مواد عَظمَة الله مِنْهُ وفراغه من الهيبة وَالْحيَاء مِنْهُ
فَإِذا وجد الْقلب عَامِرًا خنس وَنَفر مِنْهُ وَلم يجد فِيهِ مساغا وَلَا من جوانبه مدخلًا، لِأَن الْقلب عَامر بالخوف وَالْأَحْزَان والفكر فَهُوَ مُنِير مضيء
يرى العَبْد بِنور قلبه مدَاخِل إِبْلِيس فيرميه بالإنكار لما يَدْعُو إِلَيْهِ ويعتصم بِمَا أيده الله بِهِ من نور قلبه فيدحره عَنهُ فولى الْخَبيث إلى قلب قد فقد الْخَوْف فخرب وأظلم فَلَا نور فِيهِ
فَلَا شَيْء أثقل على الْخَبيث من النُّور فَإِذا وجده خنس وَنَفر مِنْهُ.
فَلَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا من قبل الْغَفْلَة من العَبْد
وَنور الْقلب إِنَّمَا هُوَ من يتعظه وحياته فَإِذا غفل مَاتَ وأظلم وطفئ نوره فيلتبس على العَبْد مَا يدْخلهُ عَلَيْهِ الْعَدو أوْ يكدر عَلَيْهِ فاختلس إِبْلِيس من العَبْد واستدام الْقلب بالغفلة فتسور عَلَيْهِ بالآثام فَإِذا اصر على الاقامة عَلَيْهَا وَرَضي بهَا علاهُ الرين فاظلمه وَاسْتقر إِبْلِيس فِيهِ ثمَّ سلك بِهِ سَبِيل الآثام إِلَى أن يوصله ويوقعه فِي الْكَبَائِر
وَلَا شَيْء أعْجَب إِلَى إِبْلِيس من ظلمَة الْقلب وسواده وانطفاء نوره وتراكب الرين عَلَيْهِ وَلَا شَيْء أثقل على الْخَبيث من النُّور وَالْبَيَاض والنقاء والصفاء وَإِنَّمَا مَأْوَاه الظلمَة وَإِلَّا فَلَا مأوى لَهُ وَلَا قَرَار فِي النُّور وَالْبَيَاض
وَلَقَد بَلغنِي أن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكره أن يدْخل الْبَيْت المظلم حَتَّى يضاء لَهُ فِيهِ بمصباح.