(التَّطْهِير وَالْعَمَل)
(أهمية التطهر من الآفات قبل الْعَمَل)
والتطهير هُوَ الِانْتِقَال عَن الشَّرّ إلى الأساس الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ الْخَيْر، وَقد يُمكن أن يسْقط الْبناء وَيبقى الأساس، وَلَا يُمكن أن يسْقط الأساس وَيبقى الْبناء.
وَمن لم يتَطَهَّر قبل الْعَمَل فَإِن الشَّرّ يمْنَع العَبْد من مَنْفَعَة الْخَيْر فَترك الشَّرّ أولى بِالْعَبدِ ثمَّ يطْلب الْخَيْر بعد
وَالنَّفس تجزع من التَّطْهِير وتفر إلى أعمال الطَّاعَات لثقل التَّطْهِير عَلَيْهَا وخفة الْعَمَل بالطاعات بِلَا طَهَارَة
فَإِذا كَانَت الطهارات مُتَقَدّمَة أمام الْعَمَل بالطاعات بعد خفته عَلَيْهَا
لمَكَان الطَّهَارَة فالحاجة إلى معرفَة الأسباب الَّتِي يطْلب مِنْهَا الْخَيْر وتوصل إلى الله شَدِيدَة
فَمن كَانَت لَهُ عناية بِنَفسِهِ وَخَافَ عَلَيْهَا التّلف طلب لطائف الأسباب بدقائق الفطن وغائص الْفَهم حَتَّى يصل إليها فَإِذا وصل إليها تمسك بهَا وَعمل عَلَيْهَا لأن الْمعرفَة لآفات الْعَمَل تكون قبل الْعَمَل وَمَعْرِفَة الطَّرِيق قبل سلوكه وحاجة العَبْد إلى معرفَة نَفسه وهواها وعدوه وَمَعْرِفَة الشَّرّ أَشد إِن كَانَ كيسا وَهُوَ إلى ذَلِك أفقر إِن كَانَ فطنا معنيا بِنَفسِهِ
لأنه لَيْسَ الْعَمَل بِكُل الْخَيْر يلْزم العَبْد وَالشَّر كُله لَازم للْعَبد تَركه، وَمن ترك الشَّرّ وَقع فِي الْخَيْر، وَلَيْسَ كل من عمل بِالْخَيرِ كَانَ من أَهله.
وَمَعْرِفَة العَبْد للشر فِيهَا علم الْخَيْر وَالشَّر، وَلَيْسَ فِي معرفَة الْخَيْر العلمان جَمِيعًا، لأن كل من ميز الْخَيْر من الشَّرّ فَعَزله واعتزله فَكل مَا بَقِي بعد ذَلِك فَهُوَ خير كُله، وَقد يُمكن أَن يعلم الْخَيْر وَلَا يحسن أن يُمَيّز مَا فِيهِ من الشَّرّ من الآفات الَّتِي تفسده وتبطله لأن الْخَيْر مشوب ممازج بِالشَّرِّ، وَالشَّر شَرّ كُله.
(الشَّيْطَان يضل النَّاس بِالْخَيرِ وبالشر)
وَقد أضل الْعَدو الْخَبيث عَن الله كثيرا من النَّاس بِالْخَيرِ وأضل كثيرا مِنْهُم بِالشَّرِّ، وَإِنَّمَا أضل من أضلّ مِنْهُم بِالْخَيرِ لقلَّة معرفتهم بِمَا يمازج الْخَيْر من الشَّرّ فجهلوا معرفَة ذَلِك وأوهمتهم أنفسهم أَنهم على خير وَهدى وَطَرِيق محبَّة وسبيل واستقامة وهم ضالون عَن الله عادلون عَن طَرِيق محبته وسبيل الاسْتقَامَة إليه
وَإِنَّمَا ذَلِك من كَثْرَة الآفات الَّتِي تلْحق الأعمال وَقلة علم الْعمَّال بهَا فَإنَّا لله وَإِنَّا إليه رَاجِعُون.