(المخادعون المتاجرون بِالدّينِ)
وَقَالَ أخبرني إن أنت خَالَفت هَذَا الأمر وأردت بعملك غير الله وأردت أن ترفع نَفسك فَوق النَّاس أوْ لم تحب لَهُم مَا تحب لنَفسك أتدرك أوْ تنَال مَا تَأمل من ذَلِك
أولست تعلم أنك أبعد مَا تكون من الله إذا كنت كَذَلِك
وَمَعَ هَذَا لَا أراك تطلب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فتنتفع بهَا وترتفق بهَا فِي أيامك هَذِه وإنما تطلب بذلك الثَّنَاء والجاه وَالْقدر وَقد اخْتَرْت سيرة
تستوجب بهَا البغض من خالفك وتستوجب البغض أيضا مِمَّن وَافَقَك عَلَيْهَا لَو ظهر من أمرك مَا خَفِي وَلَا بُد من أن يظْهر يَوْمًا مَا
وَقَالَ: الصَّبْر مَا ترك للنَّاس عذرا وَلَا حجَّة فَمن لم يلق الله بِمَا أمره بحلاوة الرِّضَا فليلقه بِالصبرِ وكراهته وَمن لم يلق الله ببغض مَا نَهَاهُ عَنهُ فَلَا يلقاه بالحب لَهُ بل بِالصبرِ فَمَا ترك الصَّبْر للنَّاس حجَّة
وَقَالَ: من الْقَلِيل مَا يعْتَبر بِهِ الْكثير وأن أهل الدُّنْيَا إذا أرادوا أن يعملوا شَيْئا بدأوا بِالطَّلَبِ فطلبوا أداة مَا يعْمل بِهِ ذَلِك الْعَمَل وإلا فَلَا سَبِيل لَهُم إلى ذَلِك الْعَمَل ألْبَتَّةَ.
وَلَو اجْتمع أهل الدُّنْيَا كلهم وَمَعَهُمْ أداة كل صناعَة هَل قدرُوا أن يثقبوا إبرة إلا بأداتها الَّتِي هِيَ أداتها وَهَكَذَا جَمِيع الأشياء
هَل رَأَيْت بيطارا قطّ قدر على صناعته بأداة خياط
اَوْ قدر الْخياط على صناعته بأداة البيطار
وَهَكَذَا كل عمل لَا يقدر الْحداد على عمله بأداة النجار وَلَا النجار بأداة الإسكاف
وَهَكَذَا أعمال الْآخِرَة لَا يقدر عَلَيْهَا إلا بأداتها وأصل أَدَاة أَعمال الْآخِرَة الْعلم والمعرفة وَالِاعْتِبَار فَإِنَّهَا من دلالات الأداة.