وفي قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) }
يتجلى المجاز العقلي مستشرفا إذ الجدار ليس كائنا ذا إرادة، ولا هو بمريد شأن من يريد في الفعل أو الترك، ولكنه البعد المجازي الذي وهب الحياة للجماد، وأشاع الحسّ في الكائنات، وكذلك التعبير الموحي الذي أضفى صفة من يصدر عنه الفعل على من لا يصدر عنه الفعل، وحقيقة من يريد على من لا يريد في الأصل. وكانت قرينة هذا المجاز إرادة هذا الجماد وهو لا يريد.
وتلك طريقة العرب المثلى في هذا المنظار، وأنشدوا للحارثي:
يردّ الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
فإرادة الرمح ورغبته هنا كإرادة الجدار في الآية سواء بسواء.
قال أبو عبيدة: «وليس للحائط إرادة، ولا للموات، ولكنه إذا كان في هذه الحال من ربه فهو إرادته» .
وأنشد أبو زكريا الفراء:
إن دهرا يلف شملي بسلمى ... لزمان يهم بالإحسان
فأنت ترى في هذه النماذج الإرادة والرغبة للرمح، والهم بالإحسان للزمان، كما شاهدت في الآية إرادة الجدار.
ولم تخرج هذه الألفاظ جميعها عن حقيقتها الأولى في اللغة، ولكنها خرجت إلى المجاز في الإسناد، والقرينة فيها جميعا هي التي أفادت مجازا عقليا دلت عليه قرينة مقالية، لأن الجدار في واقع الحال لا يريد، والرمح لا يريد ولا يرغب، والزمان لا يهم بالإحسان واقعا، وإن همّ به مجازا.