فنسبة الخسران إلى النفوس، وإضافته إليها من المجاز العقلي، واستعمل له التنظير الحسي لتحريك العقل الإنساني من غفلته، فعمره بضاعة، ومراد البضاعة الربح، فمن تعرض لخسران هذه البضاعة حسيا، كمن خسر عمره وأضاعه عقليا، وقد نبه السيد الشريف الرضي على هذا الملحظ فقال:
«لأن الخسران في التعارف إنما هو النقص في أثمان المبيعات، وذلك يخص الأموال لا النفوس، إلا أنه سبحانه لما جاء بذكر الموازين وثقلها وخفتها جاء بذكر الخسران بعدها، ليكون الكلام متفقا، وقصص الحال متطابقا، فكأنه سبحانه جعل نفوسهم لهم بمنزلة العروض المملوكة، إذ كانوا يوصفون بأنهم يملكون نفوسهم، كما يوصفون بأنهم يملكون أموالهم. وذكر خسرانهم لأنهم عرضوها للخسار، وأوجبوا لها عذاب النار، فصارت في حكم العروض المتلفات، وتجاوزوا حدّ الخسران في الأثمان، إلى حدّ الخسران في الأعيان» .
ويبدو مما تقدم أن الخصائص العقلية في المجاز القرآني قد اتخذت صيغا مختلفة الأبعاد ولكنها الإرادة، فقد استوعبت مختلف الوجوه في الاستدلال العقلي إلى المعرفة العلمية القائمة على أوليات ضرورية تنتهي إلى نتائج حتمية، لها ما لهذه الأوليات من اليقين العلمي الثابت باعتبار أن المقدمات الضرورية تنتهي بداهة إلى نتائج ضرورية.
وقد تتخذ طابع درء الشبهات بإثبات الحقائق الناصعة فيما وراء التعبير الظاهري من إيحاء يتوصل إليه بالنظر العقلي في خرق عادات الأشياء ونواميس الكون.
وقد تكون تلك الخصائص مدعاة إلى التأثير الوجداني في التوجه نحو الحدث، وتصور تلقائيته لتنبيه العواطف، وصحوة الضمير.
كل هذه شذرات تلتقط في مخزون الخصائص العقلية لمجاز القرآن.