فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 133

وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، فإن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى.

وقد ثبت لدينا في ضوء ما تقدم، وفي ظلال ما سيأتي بيانه، أن المورد المجازي في الاستعمال القرآني لا تضيق في الحقيقة، أو عجز عن تسخيرها في تحقيق المعنى المراد، بل لغاية التحرر في الألفاظ، وإرادة المعاني الثانوية البكر، فيكون بذلك قد أضاف إلى الحقيقة في الألفاظ إضاءة جديدة، والألفاظ هي هي، وهذا بعيد عن ملحظ الكذب في التقرير، أو العجز عن تسخير الحقيقة. ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الأصيلة، وليس الأمر كذلك.

ويؤكد هذا الملحظ تعقيب الزركشي (ت: 794 هـ) على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله:

«وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن» .

فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة إليه في بيان محسنات القرآن البلاغية، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي.

ويبدو ضعف هذا المذهب وهو يرفض وجود المجاز في القرآن حينما نشاهد حرص الجمهور والإمامية، وأغلب المعتزلة، ومن وافقهم من المتكلمين على إثبات وقوعه في القرآن.

حقا إن ابن قتيبة (ت: 276 هـ) قد أشار منذ عهد مبكر إلى مسألة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت