الصفحة 5 من 14

ثانيا: التطور التاريخي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات

تطورت منذ مطلع القرن العشرين فلسفات اقتصادية تزامنت مع الانفصال المتزايد بين الملكية والإدارة في الشركات الحديثة. فابتداء كانت الفلسفة الاقتصادية الكلاسيكية تفترض بأن واجب الشركات الأساسي، ان لم يكن الوحيد، هو أن تعظم من ربحيتها دون أن تقوم بأي واجب آخر تجاه المجتمع، الأمر الذي سوف يمكن المشروعات من النمو، ويوفر بالتالي طائفة أوسع من السلع والخدمات للمستهلكين، وسوف يؤمن دفع أجور أفضل للمستخدمين. وتتمثل النظرة التقليدية للشركات، كما أوجزها بعض الاقتصاديين أمثال ميلتون فريدمان (Milton Friedman) في السبعينات من القرن الماضي، وجهة النظر الكلاسيكية حول مفهوم المسؤولية الاجتماعية، إذ يرى أن مسئولية الشركة تتحقق من خلال سداد الأجور للعاملين مقابل العمل الذي يقومون به، وتقديم السلع والخدمات للمستهلكين مقابل ما يدفعونه من أموال، وسداد الضرائب للحكومات التي تقوم بتوفير الخدمات العامة للمواطنين، واحترام سيادة القانون عن طريق احترام العقود المبرمة. وأن تبني الشركة لفلسفة المسؤولية الاجتماعية من شانه أن يقلل أرباحها ويزيد تكاليف العمل، كما من شأنه إعطاء قوة اجتماعية للأعمال بشكل اكثر من اللازم. [1] بخلاف هذه النظرية فقد شرع المدراء التنفيذيون بالاهتمام بأهداف أخرى إلى جانب تعظيم الأرباح، مثل مصالح المستهلكين والموظفين والدائنين والمجتمعات المحلية. وكان هذا التطور قد ارتبط بنشوء جماعات المصالح ولا سيما النقابات العمالية، وفي الوقت نفسه كانت تتطور التشريعات الخاصة ببيئة الأعمال، فأخذت الحكومات في البلدان المتقدمة صناعيًا تمنح إعفاءات ضريبية للتبرعات المقدمة من الشركات والجمعيات لأعمال الخير، الأمر الذي شجع الشركات على تخصيص حصة من الأرباح للأعمال الاجتماعية، مستفيدة من هذه الإعفاءات والحوافز المادية [2] . وخلال الخمسينات والستينات من هذا القرن، ومع تكريس الانفصال بصورة مزايدة ما بين الملكية والإدارة والذي ميز الشركات العملاقة، بدأت جماعات الحقوق المدنية وجمعيات حماية المستهلكين، وغيرها من الحركات الاجتماعية بالتأثير على سلوك الشركات، عن طريق مراقبة الآثار البيئية للصناعات الكبيرة. [3] ومستوى جودة المنتجات للتأكد من خلوها من المواد الضارة. وبالمثل فقد ازدادت فاعلية حركات الحقوق المدنية وجماعات الضغط، كالمنظمات العمالية والنسائية وحركات السود والأقليات في الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي ألزم الشركات بتطوير سياساتها في مجال الاستخدام، مثل تعيين حد أدنى من المستخدمين النساء العاملات، والمواطنين السود والملونين، وأبناء الأقليات، بل تم التراجع عن السياسات التمييزية تجاه المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتطورت أنظمة الرقابة والحماية ضد التلوث وازداد الاهتمام بالحد من هدر الطاقة. وبالنظر الى التأثير الكبير الذي باتت تمارسه الشركات العملاقة على اقتصادات المجتمعات المتقدمة، ووصولها الى مختلف مكونات وجوانب حياة هذه المجتمعات، فقد ازدادت الحاجة إلى وضع ضوابط ومعايير للتأكد من استجابة هذه الشركات للمصلحة العامة، وقام علماء الإدارة والاقتصاد بتطوير قواعد ملموسة لقياس مسؤولية الشركات الاجتماعية. [4] وتشير التوقعات إلى أن هذا الدور سيشهد المزيد من التطور في المستقبل. وتشير الدراسات إلى اهتمام المستهلكين بالسلوك الأخلاقي للشركات. ولعل من ابرز أنصارها ومؤيديها رجل الاقتصاد المعروف (Paul Samuelson) والذي يرى أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية يمثل البعدين الاقتصادي، والاجتماعي معًا. كما يشير إلى أن الشركات في عالم اليوم يجب ألا تكتفي بالارتباط بالمسؤولية الاجتماعية، بل يجب أن تغوص في أعماقها، وان تسعى نحو الإبداع في تبنيها.

(1) راجع:

-... جون سوليفان وآخرون (ألكسندرشكولنيكوف جوش ليتشمان) ،مواطنة الشركات المفهوم والتطبيق، مجلة الاصلاح الاقتصادى، العدد 24،مركز المشروعات الدولية الخاصة، ص 8

(3) للتفاصيل راجع:

(4) هاني الحوراني، حاكمية الشركات ومسؤوليتها الاجتماعية في ضوء مستجدات الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، المؤتمر الثاني حول"مواطنة الشركات والمؤسسات .. والمسؤولية الاجتماعية"، صنعاء، 24 - 25 يونيو 2009،ص ص 4 - 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت