الصفحة 18 من 25

المبحث الثاني

ألفاظ الأشباه والنظائر التي استعمِلت استعمالا مجازيًا

نزل القرآن الكريم بلغة العرب وهم أصحاب الفصاحة والبلاغة متحديا إياهم ببلاغته, ومن بلاغة القرآن الكريم انه يستعمل أسلوب المجاز لتقريب المعنى إلى الأذهان وبأسلوب يُبهر المتأمل له.

وسنتطرق في هذا المبحث إلى ألفاظ متشابهة ومتناظرة استعملها القرآن الكريم استعمالا معنويا مجازيا.

قوله تعالى: (( فقد كذّبوا بالحقّ لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ) ) (الأنعام/5) .

فالمجيء في قوله تعالى (لما جاءهم) يناظر (الإتيان) كما ذكرّنا وقد بيّنا أن القرآن الكريم قد استعمل (الإتيان) استعمالا حقيقيا. أما المجيء فقد استعمله القرآن الكريم استعمالا معنويا.

(( المجيء: الإتيان. جاء جيئا ومجيئا ) ) [1] . و (( الجيم والياء والهمزة حروف من غير قياس بيّنها. يقال: جاء يجيء مجيئا ) ) [2] . و (( جاء الرجل يجيء جيئا وجيئة بالفتح فيهما، والأخير من بنّاء المرة وضع موضع أصل المصدر للدلالة على مطلق الحدث ) ) [3] .

أما القرآن الكريم فلم يستعمل المجيء هنا بمعنى الإتيان بل استعمله للدلالة على مجيء الحق (( الفاء فصيحة على الأظهر أفصحت عن كلام مقدر نشأ عن قوله(إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) أي إذا تقرر هذا الإعراض ثبت أنهم كذبوا بالحق لما جاءهم من عند الله )) [4] .

وقيل بأن مجيء الحق هنا هو مجيء الرسول محمد صلى الله وسلم [5] .

واستعمل المجيء في قوله (( فقد كذّبوا بالحق لما جاءهم ) )للدلالة على مجيء القرآن (( لما جاءهم: يعني الحق الذي تحدوا به على مبالغتهم في الفصاحة فعجزوا عنه ) ) [6] .

واستعمل المجيء للدلالة على الظهور (( فالحق يأبى إلا أن يظهر يوما ويخرج من حد النبأ إلى حد العيان ) ) [7] .

واستعمل المجيء أيضا للدلالة على الحقيقة التي شاهدوها (( إنهم عندما رأوا الحقيقة كذبوها، ولو أنهم دققوا في آيات الله جيدا لرأوا الحقيقة وأدركوها وامنوا بها ) ) [8] .

وقيل: بأن الحق الذي جاءهم هو القرآن وسائر أمور الدين [9] .

استعمل القرآن الكريم لفظ (المجيء) هنا استعمالا معنويا فالمجيء يكون لشيء مادي كمجيء الشخص مثلا والقرآن الكريم استعمله لأشياء معنوية فقد استعمل للدلالة على مجيء القرآن أو مجيء الحق الذي كذبوا به أو مجيء الحقيقة التي أنكروها وأظهرها الله وجاءتهم فلم يستطيعوا الإنكار.

قوله تعالى: (( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) ) (الأنعام/31) .

وقوله تعالى: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) ) (الأنعام/38) .

(1) ) لسان العرب، جَيأ: 2/ 431.

(2) ) مقاييس اللغة، جَيأ: 1/ 497.

(3) ) تاج العروس، جيأ: 1/ 130.

(4) ) التحرير والتنوير: 7/ 135.

(5) ) ينظر الجامع لإحكام القرآن: 6/ 391.

(6) ) الكشّاف: 2/ 7 - 8.

(7) ) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 15.

(8) ) الأمثل في كتاب الله المنزل: 4/ 201 - 202.

(9) ) ينظر التبيان في تفسير القرآن: 4/ 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت