الصفحة 19 من 25

ومن الأشباه لفظ (التفريط) في قوله تعالى: (( مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ) (التفريط) في قوله تعالى: (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ ) )ولكن دلالة التفريط في قوله تعالى: (( مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ) )غير دلالة التفريط في قوله تعالى: (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ ) )وقد استعملهما القرآن هنا استعمالا معنويا مجازيا.

(( فرط في الأمر يفرط فرطا أي قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط ) ) [1] . و (( فرط في الأمر يفرط فرطا بالفتح قصر به ) ) [2] . و (( التفريط أن يقصر في الفرط ) ) [3] .

وإذا كان التفريط بمعنى التقصير والتضييع فان القرآن الكريم ضاف إلى التفريط معنى جديدا يتمثل بالتأخير أي أن الإنسان يفوّت على نفسه الفرصة ويجعل غيره السابق إلى الطاعة (( جعلنا غيرنا السابق إلى الطاعة، وهذا يستلزم التقصير والتضييع فيكون التفريط هو التقصير في ما قدر على فعله، والتضعيف(فرّط) للسلب والإزالة )) [4] .

ويأتي التفريط بمعنى التقصير في الحياة الدنيا (( الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها وإن لم يجد لها ذكر لكونها معلومة، أو الساعة على معنى قصّرنا في شأنها وفي الإيمان بها ) ) [5] .

كما يأتي التفريط أيضا للدلالة على تضييع الأمور النافعة (( فرّطنا، أضعنا. و(ما) موصولة ومفعول (فرّطنا) محذوف يعود إلى (ما) تقديره: ما فرطناه أي ما ندمّنا على إضاعة كل ما من شانه أن ينفعنا ففرّطناه )) [6] .

ويقترن هذا التضييع بالندم على النفس عند مشاهدة أهوال القيامة وتحسر الإنسان على ما ضيّعه في حياته الدنيا (( حين يرون أنفسهم أمام مشاهده الرهيبة، ويشهدون بأعينهم نتائج أعمالهم، عندئذ ترتفع أصواتهم بالندم على ما قصّروا في حق هذا اليوم ) ) [7] .

كما يكون (التفريط) مجازا عن التقصير في الشيء إلى حد إهماله وضياعه (( ما فرّطناه مجازه: ما ضيعناه ) ) [8] .

أما (التفريط) في قوله تعالى: (ما فرّطنا في الكتاب) فيستدعي وقفة تأمل لأنه فعل يستلزم التقصير والتضييع وهو فعل مقرون بأفعال العباد, ونسبته للذات الإلهية أمر مستحيل , تعالى ربنا عن كل تقصير وتضييع والفعل هنا مسبوق بـ (ما) النافية التي تنفي فعل التقصير والتضييع عن ذات الله عز وجل وهو مختلف عن (التفريط) في قوله تعالى: (ما فرّطنا فيها) لأن (ما) هنا موصولة بمعنى (الذي) أي الذي ضيعنّاه.

فالتفريط هنا جاء بمعنى لا تقصير ولا إهمال من جانب الله سبحانه وتعالى , ونفي التقصير عن ذات الله سبحانه (( ما فرّطنا: ما تركنا. وقيل: ما قصّرنا ) ) [9] .

وأما الكتاب في الآية المباركة ففيه قولان:

احدهما: الكتاب المحفوظ عنده من آجال الحيوان وأرزاقه.

الثاني: المقصود به القرآن المتضمن أمور الدين والدنيا [10] .

(1) ) لسان العرب، فرط، 10/ 235.

(2) ) تاج العروس، فرط، 10/ 309.

(3) ) المفردات في غريب القرآن: 376.

(4) ) مواهب الرحمن في تفسير القرآن: 13/ 190.

(5) ) الكشّاف: 2/ 18.

(6) ) ينظر: التحرير والتنوير: 7/ 191.

(7) ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 4/ 241.

(8) ) مجاز القرآن: 1/ 191.

(9) ) التبيان في تفسير القرآن: 4/ 128.

(10) ) ينظر: م ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت