الصفحة 20 من 25

ولسعّة علم الله وقدرّته؛ ففعل التقصير المتمثل بالترك والإهمال منفي عنه تمام النفي (( ما فرّطنا في الكتاب من شيء، معترضة لبيان سعة علم الله تعالى وعظيم قدرته. فالكتاب هنا بمعنى المكتوب وهو المكنّى عنه بالقلم المراد به ما سبق في علم الله وإرادته الجارية على وفقه ) ) [1] .

وان نسبة هذا الفعل الذي يحمل معنى التقصير كان من باب المجاز لبيان عظم التضييع والترك ولكنه هنا (("ما فرّطنا في الكتاب"نُفي عن الله سبحانه وتعالى"ما فرّطنا في الكتاب"مجازه: ما تركنا ولا ضيعنا ولا خلقنا ) ) [2] .

أي أن معنى ما فرّطنا في الكتاب من شيء: إن علم الله محيط بجميع الأكوان ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فيكون النفي هنا يفيد إثبات العلم والقدرة والإحاطة للذات الإلهية وبالتالي فيكون معنى ما فرّطنا، إننا عالمين بكل شيء على وجه الإحاطة والسيطرة.

والتفريط يكون لشيء مادي ملموس ولكن القرآن الكريم في قوله تعالى: (ما فرّطنا فيها) استعمله استعمالا مجازيا، والمعنى هو تضييع هذه الدنيا والتفريط فيها بتفويت الأمور النافعة التي من شأنها جعل الإنسان صالحا في هذه الحياة. أي أن الإنسان عندما يترك واجباته فانه يخسر آخرته بترك ما أمر الله به أن يُعمل.

أما لفظ (التفريط) في قوله تعالى: (( ما فرّطنا في الكتاب ) )فهو لفظ موضوع لدلالة مجازية تتمثل بإهمال وتقصير وتضييع للكتاب ولكن هذا اللفظ جاء مسبوقا بـ (ما) النافية ومقرونًا بالذات الإلهية، وتعالى الله عن الإهمال والتقصير ف (ما) هنا تنفي التقصير والإهمال عنه سبحانه وتعالى فهو المتصف بالكمال.

قوله تعالى: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ منْ قَبْلِكَ فَأخذنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) ) (الأنعام/42) .

وقوله تعالى: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أخذنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) ) (الأنعام/44) .

وقوله تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أخذ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ) )الأنعام/46.

ومن الأشباه لفظ (الأخذ) وقد استعمله القرآن الكريم بدلاّلات مختلفة فدلالة الأخذ في قوله تعالى: (( أخذتهم بالبأساء والضراء ) )تتمثل في العقوبة التي أحلها الله بهم أي عاقبناهم, والأخذ في قوله تعالى: (( أخذتهم بغتة ) )للدلالة على الهلاك أي أهلكناهم أما دلالة الأخذ في قوله تعالى: (( أخذ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ) )فتتمثل بسلب نعمة السمع والبصر وجعلنا فاقدي السمع والبصر (( الأخذ: خلاف العطاء, وهو أيضا التناول ) ) [3] . والأخذ (( حوز الشيء وجبيه ) ) [4] . وهو في الأصل (( القهر والغلبة واشتهر في الإهلال والاستئصال ) ) [5] .

استعار القرآن الكريم لفظ (الأخذ) للدلالة على العقوبة ومعنى (( أخذتهم البأساء والضراء ) )(( أصبناهم إصابة تمكن. وقيل: بأن متعلق الأخذ قد ذكر هنا لأنه أخذ بشيء خاص [6] .

وأخذ الأمم بالعقاب له حكمتان: (( أحدهما: زجرهم عن التكذيب. والثانية: إكرام الرسل بالتأييد بمرأى من المكذبين ) ) [7] .

(1) ) التحرير والتنوير: 7/ 217.

(2) ) مجاز القرآن: 3/ 191.

(3) لسان العرب, أخذ,1/ 84.

(4) مقاييس اللغة, أخذ 1/ 68.

(5) تاج العروس, أخذ,5/ 345.

(6) ينظر: التحرير والتنوير: 7/ 227.

(7) م ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت