الصفحة 9 من 25

المبحث الأول:

ألفاظ الأشباه والنظائر التي استعمِلت استعمالا ماديًا حقيقيًا

وردت في القرآن الكريم ألفاظ متشابهة ومتناظرة وقد استعملها القرآن الكريم بدلالات مختلفة مثل المجيء والإتيان في قوله تعالى: (( فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ) ) (الأنعام/5) .

فالمجيء هنا لفظ يناظر الإتيان ولكن دلالته تختلف عن دلالة الإتيان فقد استعمل القرآن الكريم الإتيان هنا استعمالا حقيقيا.

عرف الإتيان على أنه: (( المجيء, أتيته أتيا وإتيا وإتيانا وإتيانة ومأتاة: جئته ) ) [1] . و (( تقول أتاني فلان إتيانا وأتيا وأتية وأتوة واحدة ) ) [2] .

الفرق بين قولك جاء فلان وأتى فلان: إن قولك جاء فلان كلام تام لا يحتاج إلى صلة وقولك أتى فلان يقتضي مجيئه بشيء؛ ولهذا يقال جاء فلان نفسه ولا يقال أتى فلان نفسه، ثم كثر استعمال ذلك حتى استعمل أحد اللفظين في موضع الآخر [3] .

وقيل أيضا: (( من ذلك جاء وأتى، فالأول يقال في الجواهر والأعيان والثاني في المعاني والأزمان ولهذا ورد جاء في قوله: (( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ) ) (يوسف/72) . و (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) ) (النحل/1) . و (( أَتَاهَا أَمْرُنَا ) ) (يونس/24) . وقال الراغب (ت 502 هـ) : الإتيان المجيء بسهولة فهو اخص من مطلق المجيء )) [4] .

خرج الإتيان هنا عن دلالة المجيء فاستعمله القرآن الكريم للدلالة على حلول العذاب بالمشركين بعد تكذيبهم الحق الآتي من عند الله (( سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله الله بهم عقوبة على كفرهم، وهذا العذاب هو الذي كانوا به يستهزئون ) ) [5] .

واستعمل الإتيان أيضًا (( دلالة على الإصابة والحصول"أصابتهم بما توعدهم به الله") ) [6] .

كما استعمل الإتيان أيضًا للدلالة على الظهور أي ظهور ما كان خافيا عنهم (( ليترقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون ... أي ينكشف لهم الحق أمام العذاب المترقب المجهول ) ) [7] .

و نلاحظ أن القرآن يستعمل ألفاظ متناظرة لتدل إحدى الألفاظ على المعنى الحقيقي ويدل المعنى المناظر على المعنى المجازي.

وهكذا نجد أن (الإتيان) هنا استعمل للدلالة على نزول العذاب وحلوله بهم بعد تكذيبهم للحق وهذا العذاب واقع بهم لا محالة فكان استعماله استعمالا حقيقيا. وجاء في تعبير آخر على أنه بمعنى الظهور وبيان الخفايا وهذا الظهور ظهورا حقيقيا لا مجال معه للشك. وجاء بتعبير آخر للدلالة على الإصابة والحصول أي إصابتهم بما توعدهم به الله.

وقوله تعالى: (( ولو ترى إذ وقفُوا على النار فقالوا يا ليتنا نُرَّدُ ولا نُكذّبُ بآيات رَبّنا ونكون من المؤمنين ) ) (الأنعام/27) .

(1) ) لسان العرب، أتي: 1/ 64.

(2) ) مقاييس اللغة، أتي: 1/ 50.

(3) ) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري: 153.

(4) ) الإتقان، السيوطي: 1/ 570.

(5) ) التبيان في تفسير القرآن: 4/ 80.

(6) ) التحرير والتنوير: 7/ 136.

(7) ) ينظر: في ظلال القرآن: 2/ 1037.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت