وقيل: بأن (( عطف قوله"وليكون من الموقنين"على قوله(وكذلك) أفاد كون المشبه به تعليما فائقا ففهم منه أن الشبه به علة لأمر مهم هو من جنس المشبه به. فالتقدير: وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراءة تبصير وفهم ليَعلم علما على وفق ذلك التفهيم، وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين )) [1] .
إن إراءة إبراهيم عليه السلام ملكوت السماوات والأرض ثم محاججته لأبيه تؤكد على كون الرؤية الواردة هنا رؤية حقيقية (( إنا أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض فبعثه ذلك إن حاج أباه وقومه في أمر الأصنام وكشف لهم ضلالهم وكنا نمده بهذه العناية والموهبة وهي إراءة الملكوت وكان على هذه الحال حتى جُنّ عليه الليل ورأى كوكبا ) ) [2] .
الرؤية الواردة هنا رؤية حقيقية فيها اطلاع لإبراهيم عليه السلام على أسرار الكون والوجود وكانت هذه الرؤية حلقة الوصل بين إحساسه بوجود خالق عظيم لهذا الكون وبيّن يقينه بذلك (( نُري إبراهيم حقيقة هذا الكون، ونكشف عنه عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود، ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب. لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحقّ ) ) [3] .
ويقترن بهذه الرؤية الإبصار والتعريف بالله سبحانه وتعالى (( نُعرف إبراهيم ونُبصره ملكوت السماوات والأرض يعني الربوبية والإلوهية ونوفقه لمعرفتها ونرشده بما شرّحنا صدره وسدّدنا نظره وهدّيناه لطريق الاستدلال ) ) [4] .
ويذهب احد العلماء إلى أن الرؤية هنا رؤية حقيقية قائمة على الكشف والتقرير (( إن نور الله لائح غير منقطع ولا زائل البتة، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام (( أتتخذ أصناما آلهة ) )إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السماوات بالتمام )) [5] .
إذن فالرؤية الواردة هنا رؤية حقيقية قائمة على مشاهدة مادية إذ شاهد إبراهيم عليه السلام دلائل وبراهين تثبت وجود خالق مبدع لهذا الكون العظيم وهذه الرؤية قائمة على وضوح كل معالم اليقين بإراءة ملكوت السماوات والأرض التي تقطع وتجزم بالوحدانية لله عزّ وجّل.
فإحساس إبراهيم عليه السلام بخالقه وخالق هذا الكون البديع ثم مشاهدة الدلائل والبراهين على وحدانية الله أزالت كل حجب الغموض عن قلبه مما دفعه للمحاججة واليقين.
وقوله تعالى: (( وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ) (الأنعام/99) .
(1) ) م ن: 7/ 316.
(2) ) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 176.
(3) ) في ظلال القرآن: 2/ 1139.
(4) ) الكشّاف: 2/ 38.
(5) ) التفسير الكبير: 13/ 41.