الصفحة 13 من 25

ولكن الفرق بين اللّعب واللّهو هو أن الأول: (( ما قُصِدَ به تعجيل المسرة والاسترواح به. والثاني: كل ما شغل عن هوى وطرب وإن لم يقصد به ذلك، وترجع حقيقة اللّعب إلى ما ينتفع به واللّهو إلى ما يلتهى به ولذلك اختصت بهما الحياة الدنيا ) ) [1] .

ويشترك اللّعب مع اللّهو في كونه (( من الممارسات الفارغة السطحية التي لا ترتبط بأصل الحياة الحقيقية، سواء فاز اللاعب أو خَسر، إذ كل شيء يعود إلى حالته الطبيعية بعد اللّعب ) ) [2] .

وقد وصفت الحياة الدنيا باللّعِب واللّهو لكونهما (( لا عاقبة لهما في المنفعة ويقتضي زوالهما عن أهلها في أدنى مدة وأسرع زمان، لأنه لا ثبات لهما ولا بقاء ) ) [3] .

القرآن الكريم في قوله تعالى: (( وما الحياة الدنيا إلا لَعِب ولَهو ) )استعمل اللّعب استعمالا حقيقيا للدلالة على أن الحياة الدنيا ما هي إلا أعمال يقوم بها الإنسان الهدف من وراءها إراحة البال وتحقيق المتعّة وهو بدون غاية أو هدف مفيد.

أما اللّهو فهو ما يشغل صاحبه فيلهيه والقرآن الكريم استعمله هنا استعمالا ماديا حقيقيا يتمثل بانشغال الإنسان عن قصد أو بغير قصد وان اللّعب يقود إلى اللّهو.

قوله تعالى: (( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ظلال مبين ) ) (الأنعام/74) .

وقوله تعالى: (( وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) ) (الأنعام/75) .

ونجد في هذه الآية المباركة أشباها وهي (أرى) في قوله تعالى: (( أراك وقومك ) (نري) في قوله تعالى: (( نُري إبراهيم ) )والقرآن الكريم أعطى لكل من هاتين الرؤيتين دلالة خاصة فالرؤية الأولى (( أراك وقومك ) )مجازية كما سنتطرق إليها في المبحث الثاني إن شاء الله ونبيّن اختلاف المفسرين بشأنها.

أما الرواية في قوله تعالى: (( نُري إبراهيم ) )فدلالة الرؤية هنا حقيقية تتمثل بما شاهده إبراهيم عليه السلام من الدلائل والبراهين.

فالرؤية في اللغة (( الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين؛ يقال: رَأى زيدا عالما ورَأى رَأيا ورُؤية ورَاءه مثل راعه ) ) [4] . ويقول ابن سِيده (ت 458 هـ) : (( الرُّؤية النظر بالعَين والقلب ) ) [5] . و (( الراء والهمزة والياء أصل يدل على نظر وأبصار بعين أو بصيرة ) ) [6] .

أما الرُّؤية عند النُحّاة فيقول شارح المُفصّل عن أرى (( إن أرى مما يتعدى إلى مفعولين وهو منقول عن رأيتُ وأرى إذا كان من رؤية القلب له معنيَّان احدهما العِلم والآخر الحسبان والظن ) ) [7] .

وقوله تعالى (( نُري إبراهيم ) )استعمل القرآن الكريم (الرؤية) هنا للدلالة على رؤية مادية حقيقية (( مستعملة للانكشاف والمعرفة، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدل بجميعها على الحقِّ وهي إراءة إلهام وتوفيق ) ) [8] .

(1) ) ينظر: م ن.

(2) ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 4/ 242.

(3) ) التبيان في تفسير القرآن: 4/ 217.

(4) ) لسان العرب، رأي: 5/ 84.

(5) ) م ن.

(6) ) مقاييس اللغة، رأي: 2/ 472.

(7) ) شرح المفصل: 7/ 79.

(8) ) التحرير والتنوير: 11/ 315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت