ومعاودة ارتكاب الذنوب متعلق بنفوسهم المريضة التي لا تتبدل لو رجعوا إلى الدنيا (( فتعود الحال ويرجع الكفر والشرك والعناد مع الحقّ والاستكبار عليه، فما دعاهم إلى الشرك والظلُّم والتكذيب يعود عليهم لاحقا، فقد وردت السنن التي وضعها الله تعالى في الحياتين وتعلق قضاؤه بذلك وتم الأمر ) ) [1] .
والرد في قوله تعالى: (ولو رُدُّوا) ردّا ماديا لأنه ردا حقيقيا يتمثل بتمني الكفار الرجوع من الآخرة إلى الحياة الدنيا مرة ثانية بعد مشاهدتهم العذاب للتوبة وعمل الخيرات وتمنيهم هذا تمنيا حقيقيا لما رأوا من الهول والعذاب.
أما (العودّة) في قوله تعالى (لعادوا) استعملها القرآن الكريم استعمالا حقيقيا للدلالة على العودة لما فعلوا في حياتهم الدنيا من الشرك والعناد والعودة هنا مادية.
قوله تعالى: (( وما الحياة الدنيا إلا لَعِب ولَهو وللدّار الآخرة خير للذين يبقون أفلا تعقلون ) ) (الأنعام/32) .
نجد هنا لفظ (اللّعب) يناظر لفظ (اللّهو) في كونهما شغل ووُصِفَت بهما الحياة الدنيا ولكن القرآن الكريم أضفى على الَّلعِب دلالة تختلف عن دلالة اللّهو وقد استعملها استعمالا حقيقيا.
(( اللَّعب واللَّعْب: ضد الجدِّ، لَعِبَ يَلْعَبُ لَعِبا ولَعَّبَ وتَلاَعَبَ وتَلَعَّبَ مرة بعد أخرى ) ) [2] . و (( لَعِبَ فلان إذا كان فعله غير قاصدا به مقصدا صحيحا يَلْعَبُ لَعِبا ) ) [3] .
أما القرآن الكريم فاستعمل (اللّعب) للدلالة على كل عمل أو قول فيه خفّة وطيش وليست له غاية مفيدة (( عمل أو قول فيه خفة وسرعة وطيش ليس له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل المتعب وأكثره أعمال الصبيان ) ) [4] .
وقد وضعت أعمال الحياة الدنيا باللَّعِب لأنها (( تدور مدار سلسلة من العقائد الاعتبارية والمقاصد الوهمية كما يدور عليه اللَّعِب فهي لَعِب ) ) [5] .
أما اللَّهو في قوله تعالى: (( وما الحياة الدنيا إلا لَعِب ولَهو ) ).
فاللّهو: (( ما لَهوت به ولَعِبت به وشغلك عن هوى وطرب ونحوهما ) ) [6] . واللّهو (( كل شيء شغلك عن شيء فقد ألهاك ) ) [7] . واللّهو (( ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه ) ) [8] .
والقرآن الكريم استعمل (اللّهو) هنا للدلالة على كل ما يشغل الإنسان فيلهيه (( اللّهو ما يشغل به الإنسان عما ترتاح إليه نفسه ولا يتعب به عقله، فلا يطلق إلا على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة الشهوة ) ) [9] .
والدنيا بطبيعتها شاغلة للإنسان عن الالتفات إلى الحياة الأخرى إلا المتقين (( هي شاغلة للإنسان عما يهمه من الحياة الأخرى الحقيقية الدائمة فهي لَهو ) ) [10] .
ويشترك اللّعِب مع اللّهو في (( إنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه، وصرف الهم بما لا يصلح أن يصرف به ) ) [11] .
(1) ) مواهب الرحمن في تفسير القرآن: 13/ 183.
(2) ) لسان العرب، لعبَ: 12/ 287.
(3) ) المفردات في غريب القرآن: 450.
(4) ) التحرير والتنوير: 7/ 139.
(5) ) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 56.
(6) ) لسان العرب، لَها: 12/ 347.
(7) ) مقاييس اللغة، لَهو: 5/ 213.
(8) ) المفردات في غريب القرآن: 455.
(9) ) التحرير والتنوير: 7/ 193.
(10) ) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 56.
(11) ) مواهب الرحمن في تفسير القرآن: 13/ 195.