الصفحة 11 من 25

ووقوفه على النار وقوفا حقيقيا لمشاهدته لها ويقينه بوجودها والاطلاع على حقيقتها وعظم نارها وشدة عذابها.

والوقوف في قوله تعالى: (وقِفوا على رَبهِم) هو أيضا وقوفا حقيقيا يتمثل بحضور العبد ووقوفه بين يدي ربه لحساب والجزاء. ولكن الوقوف على النار فيه مشاهدة للنار أما الوقوف في الآية الثانية (( وقِفوا على رَبهِم ) )فليس فيه مشاهدة حقيقية للذات الإلهية.

ومن النظائر أيضا قوله تعالى: (( بل بَدا لهُم ما كانوا يُخْفُون من قَبْلُ ولو رُدُّوا لعادوا لِما نُهُوا عَنْه وإنهُم لكاذِبون ) ) (الأنعام/28) .

فالرد هنا يناظر العودة ولكن القرآن الكريم جعل للرد دِلالة مختلفة عن دلالة العودة وهذا يكمن في إعجاز القرآن وبلاغته.

والرد في اللغة (( ما كان عمادا للشيء بدفعَه ويَردَّه ) ) [1] . و (( الراء والدال أصل واحد مطرد منقاس، وهو رجع الشيء ) ) [2] . والرد (( صرف الشيء بذاته أو بحال من أحواله. يُقال: ردَدْته فارتدَّ ومن الرد بالذات قوله: (( ولو رُدوا لعَادوا لِما نُهُوا عنه. وقال: في الطريق الذي جاء به ) ) [3] .

أما القرآن الكريم فقد استعمل (الرد) هنا للدلالة على بيان تمني الرجوع إلى الدنيا (( تمني الرجوع إلى الدنيا والإيمان فيها بآيات الله والدخول في جماعة المؤمنين إنما هو ظهور الحق المتروك بجميع ما يستتبعه من العذاب يوم القيامة، وهو من مقتضيات نشأة الآخرة المستلزمة لظهور الحقائق الغيبية ظهور عيّان ) ) [4] .

وقيل بأن ردهم دون مشاهدتهم للعذاب يدعوهم لمعاودة ارتكاب المعاصي (( ولو رُدُّوا ولم يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب إلى أنهم لم يشاهدوا ما يضطرهم إلى الارتداع. وقيل: بأن هذا الرأي ضعيف لان القول يكون منهم بعد أن يُبعَثوا ويعلموا أمر القيامة ويعاينوا النار ) ) [5] .

وقوله تعالى: (( ولو رُدُّ لعادوا لما نُهُوا عنه ) ).

العودة (( تثنية بعد بدء. بدأ ثم عاد. والعودة مرة واحدة ) ) [6] . و (( العود: في صفات الله تعالى: المبدئ المعيد. والعود ثاني البدء. قال الفراء: يجوز في العربية أن تقول: إن عاد لما فعل، تريد أن فعله مرة أخرى. ويجوز: أن عاد لِما فعل، إن نقض ما فعل ) ) [7] .

فالقرآن الكريم استعمل (العودة) للدلالة على معاودة الفعل وتكراره (( انه تعالى بيّن أنهم لو شاهدوا النار والعذاب ثم سألوا الرجعة ورُدُّوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك القضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد ) ) [8] .

وتمنيهم الرجوع إلى الدنيا كان بدافع الهول الذي أصابهم ولو عادوا لفعلوا مثلما كانوا يفعلون (( لو أُجيبت أمنيتهم ورُدُّوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان النبي ينهاهم عنه، وهو التكذيب وإنكار البعث، وذلك لان نفوسهم التي كذّبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد الإتيان للآيات البيّنات، هي النفوس التي أُرجعت إليهم يوم البعث ) ) [9] .

(1) ) لسان العرب، ردَّ: 5/ 185.

(2) ) مقاييس اللغة، ردَّ: 2/ 386.

(3) ) المفردات في غريب القرآن: 192 - 193.

(4) ) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 53.

(5) ) ينظر: التبيان في تفسير القرآن: 4/ 111.

(6) ) معجم العين: 591، مقاييس اللغة، عود: 4/ 181.

(7) ) لسان العرب، عود: 2/ 315 - 316.

(8) ) التفسير الكبير: 12/ 194.

(9) ) التحرير والتنوير: 7/ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت