ومع ما ذكر الله عز وجل في فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وتكلفه بمغفرة ذنوبهم، ووعدهم الجنة، لما قدموه في سبيله من بذل المهج والأموال؛ لرفع كلمة الله سبحانه، وأمره إيانا بالاقتداء بهم، وسؤالهم المغفرة لهم، والترضي عنهم، وسؤال الله اللحوق بهم، ومع ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، ووصيته أمته فيهم ونهيه عن سبهم، أو ذكر عيوبهم، التي تغرق كنقطة ماء في بحر فضائلهم، مع كل ذلك أبى المجوس -الذين امتلأت قلوبهم حقدًا على دين الله، وهم يشاهدون نيرانهم تطفأ، ومعابدهم تهدم بأيدي صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبناء جلدتهم يدخلون في دين الله أفواجًا، أبوا- الدخول في دين الله بعد أن سُقط في أيديهم عسكريًا، فعمدوا إلى التقية، ودخلوا في الإسلام ظاهرًا وأبطنوا الكفر والزندقة، وأصبحوا يحيكون الدسائس والمؤامرات ضد المسلمين بالطعن في دينهم عن طريق الطعن في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم حملة الدين ونقلته، ولما تم لهم ذلك، وانطلت ألاعيبهم على كثير من الغوغاء الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، قالوا: ما دام أن من نقل إلينا هذا الدين كفار، فكيف نثق بما نقلوه؟ وهكذا استطاعوا تعطيل الشريعة بين من لم يعرفها، ما زال في نفسه شيء من معتقداته القديمة الفاسدة.
وقد فطن علماء الإسلام إلى هذه المؤامرة، وحذروا المسلمين من سماع مقالاتهم، فهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: إنما هؤلاء أقوام أردوا القدح في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين [1] .
(1) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية ص580.