خرجوا مشرقين مغربين، يفتحون المعمورة بلدًا بلدًا، خرجوا وأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأنظمة الوحلية إلى عدالة الرسالة السماوية، خرجوا وحطموا كل طاغوت لا يؤمن بالله واليوم الآخر وقف في وجه المد الإسلامي، وحال بينه وبين الناس من أن يسمعوا كلمة الحق. رهبان بالليل، فرسان بالنهار {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يمشون على الأرض بقلوب معلقة بالسماء. الله ربهم، والإسلام دينهم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيهم، والقرآن دستور حياتهم، والفكاك من النار، ودخول الجنة أسمى أمانيهم، امتدت فتوحاتهم آلاف الأميال، عبر الصحاري المقفرة والبحار المهلكة، والجبال الوعرة، في زمن كانت وسائل المواصلات: الجمال، والبغال، والحمير، وفي كل مكان يمرون به تدور بينهم وبين أعداء الله معارك تشيب فهولها الولدان، ويسطر تاريخها بدماء الشهداء، وليس ذلك فحسب، بل فتحوا القلوب المغلقة، بالنور الذي كانوا يحملونه، فما يجرون من بلد بعد فتحها إلا وأبناء ذلك البلد يخرجون معهم ليجاهدوا في سبيل الله، مع إخوانهم الذي سبقوهم بالإيمان، وجمع بينهم الإسلام أقوى الروابط، حتى فتحو الأرض، وارتفع صوت الحق مدويًا في كل مكان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتهم؟ قالوا: بأي شيء نحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم، فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخل الناس» [1] .
(1) رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.