ومع أن هذا التوحيد مما أقرت به جميع أمم الأرض، إلا أن الروافض انحرفوا في هذا التوحيد، وأشركوا مع الله فيه أئمتهم.
فهم يعتقدون في أئمتهم ما كان يعتقد أهل فارس في عظمائهم قبل الإسلام، ومجمل هذا الاعتقاد: أن أول مخلوق خلقه الله هو نور الأئمة، ومنه فتق جميع من في الكون من مخلوقات علوية وسفليه.
ثم فوض إلى هؤلاء العظماء أمر مخلوقاته، فهم الذين يحيون ويميتون، ويعطون ويمنعون، ويضرون وينفعون، ويرزقون ويحرمون، ويعلمون الغيب، ويدبرون الكون كما يريدون، ويحلون للعباد ما يشاؤون، ويحرمون عليهم ما يشاؤون، ولا وظيفة للإله عندهم إلا تنفيذ رغبات هؤلاء العظماء، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وهذه العقيدة مأخوذة من المعرفة (النوصية) التي قامت عليها المذاهب المجوسية (الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية) في اصطفاء فكرة النور، وانبتت عليها النصرانية في أخذها بالكلمة، ومازجت الأفلاطونية المحدثة، وهي تتكلم عن فكرة الهباء.
وقد ورد في كتاب الزرادشتي (زنادا أفستا) أن (هرمز) إله الخير لم يخلق الكون بما فيه من كائنات حية روحية ومادية خلقًا مباشرًا، بل خلقه بواسطة الكلمة الإلهية [1] .
وبما أن الروافض أخذوا هذه العقيدة من أسلافهما الفرس فقد رفعوا أئمتهم إلى مقام الآلهة، ونفوا عن الله صفاته، وألبسوها أئمتهم، وقالوا: إن الإمام أكمل مجلي خلقي ظهر فيه الحق، لذلك لما انتقل هذا النور -حسب زعمهم- إلى صلب آدم، أسجد الله للنور ملائكته لا لآدم، ثم تسلسل هذا النور عبر الأصلاب والأرحام حتى وصل إلى عبد المطلب، ثم انقسم إلى بنيه أبي طالب وعبد الله، ثم خرج محمد وعلي وذريته من بعده.
وسيأتي كلامهم إن شاء الله تعالى في هذا الفصل، وفي فصل توحيد الأسماء والصفات.
(1) أضواء التصوف ص82.