مؤتة، إنَّه ابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه -، وشدَّ بسيفه يقاتل أعداء الله قتالًا أذهل الرُّومان، وهو يقول الشِّعر، وقد هبَّت عليه نسائم الجنة:
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبةً وباردًا شرابها
والروم رومٌ قد دنا عذابها
كافرةً بعيدةً أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها
حتَّى إذا أرهقه القتال ترجَّل عن فرسه الشَّقراء، فعقرها حتَّى لا يغنمها الأعداء، فجاءه روميٌّ مدجَّجٌ بالسِّلاح فمدَّ سيفه إلى يمين جعفر فقطعها، فأخذ شماله الرَّاية فرفعها، فجاءته ضربةٌ بسيفٍ قطعت شماله أيضًا، ولنتصوَّر شجاعة هذا البطل الجريح الذي قطعت يداه والرَّاية أمامه، ولنتصوَّر حرصه على رفع الرَّاية، فما كان منه إلا أن احتضن الرَّايةً بعضديه فلم تزل الرَّاية ترفرف مرفوعةً حتَّى جاءه روميٌّ فضربه ضربةً قطعه بها إلى نصفين، فسمِّي جعفر الطيار؛ لأنَّ الله تعالى أثابه بجناحيه جناحين في الجنَّة يطير بهما حيث شاء.
وقد تلقَّى أكثر من خمسين ضربةً بسيفٍ وطعنةً برمحٍ في صدره وجسده، وهو مقبلٌ على العدوِّ غير مدبرٍ.