بَحْثٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ: أَعْذَبُ الْمَنَاهِلِ بِدَفْعِ تُهْمَةِ الْأَئِمَّةِ بِالتَّسَاهُلِ
وَدُونَكَ الْمَزِيدَ مِنَ الْبَيَانِ: أَنَّ اتِّهَامَ أَبِي عِيسَى رَحِمَهُ اللهُ بِالتَّسَاهُلِ، يُنَاقِضُهُ تَحْسِينُهُ فَقَطْ لأَحَادِيثَ اتِّفَقَا عَلَى إِخْرَاجِهَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، أَوْ أَحَدُهُمَا.
فَمَنِ اتِّهَمَهُ بِالتَّسَاهُلِ لِتَصْحِيحِه أَحَادِيثَ ضَعَّفَهَا غَيْرُهُ، فَلْيَتَهِمْهُ بِالتَّشَدُّدِ لِتَحْسِينِهِ أَحَادِيثَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، أَوْ أَحَدِهِمَا.
قَالَ الدُّكْتُورُ حَاتِمٌ الْعَوْنِيُّ فِي «الْمُرْسِلِ الْخَفِيِّ» (1/ 312) : وَإِنْ جَرَيْنَا عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمِنْوَالِ، وَعَكَسْنَا قَاعِدَتَهُمُ السَّابِقَةَ، فَيَحِقُّ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنْ يَكُونَ مُتَشَدَّدًا فِي التَّصْحِيحِ، لأَنَّهُ - وَفِي عَدَدٍ كَثِيْرٍ- يُحَسِّنُ أَحَادِيثَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَوْ أَحَدِهِمَا!!، بَلْ وَجَدْتُهُ قَالَ عَنْ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ كِلَيْهِمَا: «غَرِيبٌ» ، وَعَنْ غَيْرِ حَدِيثٍ فِي أَحَدِهِمَا قَالَ أَيْضًا: «غَرِيبٌ» ! اهـ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْثَلَةً عَلَى مَا قَرَّرَهُ.
وَبَيَانُ مَا قَرَّرَهُ هُوَ مِنَ الْمَبَاحِثِ الدَّقِيقَةِ، وَدَلائِلُ إِيْضَاحِهِ فِي بَحْثٍ خَاصٍّ مُتَعَيَّنَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ. فَلْنقتصر هَاهُنَا على عُشَارِيَّةٍ مِنَ الْحِسَانِ الْغَرَائِبِ التِّرْمِذِيَّةِ الَّتِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ:
الْحَدِيثُ الأَوَّلُ:
قَالَ أَبُو عِيسَى فِي «الْجَامِعِ» (كِتَابُ الطَّهَارَةِ / بَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ) (ح 28) : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِاللهِ ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ» .
قُلْتُ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ اتَّفَقَا عَلَى صِحَّتِهِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ (191) : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنْ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ، أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ (235) : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الأَنْصَارِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثًَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.