فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 14

مَدْخَلٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ رَمَي التِّرْمِذِيَّ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَاتِ

أَكْثَرُ مَنْ وَصَفَ الإِمَامَ التِّرْمِذِيَّ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الأَحَادِيثِ وَالرُّوَاةِ مُعْتَمِدٌ عَلَى كَلامِ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الذَّهَبِيِّ، وَمَا زَبَرَهُ فِي عِدَّةِ كُتُبٍ لَهُ، فَطَارُوا بِهَا كُلَّ مَطَارٍ، حَتَّى أَصْبَحَتْ كَلِمَاتُهُ هِيَ عُمْدَةُ الطَّاعِنِينَ النَّاعِتِينَ الإِمَامَ الْحُجَّةَ أَبَا عِيسَى التِّرْمِذِيَّ بِالتَّسَاهُلِ، وَالرَّادِّينَ مَا كَرِهُوا مِنْ أَحْكَامِهِ عَلَى الرُّوَاةِ وَالْمَرْوِيَّاتِ، ورَكِبُوا السُّهُولَ وَالصِّعَابَ، وقَلَّدَهُمْ عَلَى أَهْوَاءِهِمْ كُلُّ مُقَلِّدٍ بِلا شَكٍّ وَلا ارْتِيَابٍ، وَكَأنْ قَدْ أَتَاهُمْ سُلْطَانٌ مِنَ الْحَقِّ أَوْ كِتَابٌ، حَتَّى أَصْبَحَتِ التُّهْمَةُ بِالإِمَامِ لَصِيقَةً، وَالتَّصْرِيْحُ بِهَا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ عَلامَةَ الصِّدْقِ وَمُطَابَقَةِ الْحَقِيقَةِ؛ وَهِيَ عِنْدَ الْعُدُولِ الْمُنْصِفِينَ، وَالأَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ، أَبْعَدُ مَا تَكُونُ عَنْ ذَلِكَ، وَالإِمَامُ الْحُجَّةُ أَرْفَعُ مِنَ الاتِّهَامِ بِذَلِكَ.

فَقَدْ تَصَدَّى الذَّهَبِيُّ لِنَقْدِ كِتَابِ «الْجَامِعِ» ، وَمَنْهَجِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ الْمُخْتَلِفَةِ.

فَقَالَ فِي «سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (13/ 276) : «جَامِعُهُ» قَاضٍ لَهُ بِإِمَامَتِهِ، وَحِفْظِهِ، وَفِقْهِهِ، وَلَكِنْ يَتَرَخَّصُ فِي قَبُوْلِ الأَحَادِيْثَ، وَلا يُشَدِّدُ، وَنَفَسُهُ فِي التَّضْعِيفِ رَخْوٌ.

وَقَالَ أَيْضًا (13/ 274) : فِي «الْجَامِعِ» عِلْمٌ نَافِعٌ، وَفَوَائِدُ غَزِيْرَةٌ، وَرُؤُوْسُ الْمَسَائِلِ، وَهُوَ أَحَدُ أُصُوْلِ الإِسْلاَمِ، لَوْلاَ مَا كَدَّرَهُ بِأَحَادِيْثَ وَاهِيَّةٍ، بَعْضُهَا مَوْضُوْعٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا فِي الفَضَائِلِ.

وَقَالَ فِي «تَارِيْخِ الْإِسْلَامِ» (6/ 617) : مَا فِي جَامِعِهِ مِنَ الثَّلاثِيَّاتِ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَكِتَابُهُ مِنَ الأُصُولِ السِّتَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْعَقْدُ وَالْحَلُّ، وَفِي كِتَابِهِ مَا صَحَّ إِسْنَادُهُ، وَمَا صَلُحَ، وَمَا ضَعُفَ وَلَمْ يُتْرَكْ، وَمَا وَهَى وَسَقَطَ، وَهُوَ قَلِيلٌ يُوجَدُ فِي الْمَنَاقِبِ وَغَيْرِهَا.

وَقَدْ قَالَ: مَا أَخْرَجْتُ فِي كِتَابِي هَذَا إِلاَّ حَدِيثًا قَدْ عَمِلَ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ.

قُلْتُ: يَعْنِي فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ، أَمَّا فِي سِوَى ذَلِكَ، فَفِيهِ نَظَرٌ وَتَفْصِيلٌ اهـ.

وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ كَثِيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ فِي «مِيزَانِ الْاِعْتِدَالِ» (3/ 407) : وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَرَوَى مِنْ حَدِيثِهِ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» ، وَصَحَّحَهُ؛ فَلِهَذَا لا يَعْتَمِدُ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ.

وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ الْهَمْدَانِيِّ (3/ 515) ، وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ: «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ دُعَائِي وَمَسْأَلَتِي» ، قَالَ: حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَلَمْ يُحْسِنْ.

وَذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ (4/ 416) حَدِيثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَقَالَ: حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ مَعَ ضَعْفِ ثَلاثَةٍ فِيهِ، فَلا يُغْتَرُّ بِتَحْسِيْنِ التِّرْمِذِيِّ، فَعِنْدَ الْمُحَاقَقَةِ غَالِبُهَا ضِعَافٌ.

وَقَالَ مُتَعَسِّفًا كَمَا فِي «تَدْرِيبِ الرَّاوِي فِي شَرْحِ تَقْرِيبِ النَّوَاوِيِّ» (1/ 187) : انْحَطَّتْ رُتْبَةُ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ؛ لإِخْرَاجِهِ حَدِيثَ الْمَصْلُوبِ وَالْكَلْبِيِّ.

وَانْتِقَادُ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ لِلإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ - وُفْقَ النَّقْلِ عَنْ كُتُبِهِ - يَعُودُ إِلَى الأُمُورِ التَّالِيَةِ:

1 -أَنَّ مَنْهَجَهُ فِي تَضْعِيفِ الرُّوَاةِ فِيهِ لُيُونَةٍ وَرَخَاوَةٍ.

2 -تَصْحِيحُهُ لأَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ قَوْمٍ ضُعَفَاءٍ.

3 -تَحْسِينُهُ لأَحَادِيثَ ضِعَافٍ.

4 -رِوَايَتُهُ عَنْ قَوْمِ مُتَّهَمِينَ أَوْ وَضَّاعِينَ، أَحَادِيثَ وَاهِيَةً أَوْ مَوْضُوعَةً.

وَسَبِيلُ الرَّدِّ عَلَى هَذِهِ الدَّعَاوَى سَهْلٌ مَبْسُوطٌ، وَنَقْضُ الأَحْكَامِ الْجَائِرَةِ مُتَعَيَّنٌ، بَلْ مَفْرُوضٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت