فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 14

فَأَمَّا الأَمْرُ الرَّابِعُ:

وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ قَوْمٍ مُتَّهَمِينَ، أَوْ وَضَّاعِينَ أَحَادِيثَ وَاهِيَةً.

فَلَمَزَهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيَّ بِقَوْلِهِ: «انْحَطَّتْ رُتْبَةُ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ؛ لإِخْرَاجِهِ حَدِيثَ الْمَصْلُوبِ وَالْكَلْبِيِّ» اهـ.

وَهَذِهِ وَاللهِ زَلَّةٌ عَجِيبَةٌ، كَأُخْتِهَا الَّتِي زَلَّ بِهَا آنِفًا بِقَوْلِهِ: لا يَعْتَمِدُ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ!.

بَلْ هَذِهِ تُهْمَةٌ كُبْرَى، يَعْرِفُهَا مَنْ هُوَ بَكَشْفِ عَوَارِهَا أَحْرَى.

فَقَدْ يَخْفَي عَلَى الْكَثِيرِينَ: أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ مِنَ السُّنَنِ الثَّلاثَةِ إِمَامٌ بِرَاسَهِ، سَابِقٌ بِقَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَأَسَاسِهِ، لَكِنَّهُ لا يَخْفَى عَلَى الْمُبْتَدِئِ فِي هَذَا الْعِلْمِ: أَنَّهُ لا وَجْهَ لِلْمُقَارَنَةِ بَيْنِ السُّنَنِ الثَّلاثَةِ فِي تَقَدُّمِ الرُّتْبَةِ أَوْ تَأَخُرِهَا، وَلا وَجْهَ كَذَلِكَ لِلْمُقَارَنَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ؛ وَذَلِكَ لاخْتِلافِ مَقَاصِدِ، وَغَايَاتِ التَّصْنِيفِ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلاثَةِ!.

وَإِنَّمَا جَازَتِ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ؛ لاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَخْرِيْجِ الصَّحِيحِ مَحْضًّا، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ أَعْلاهُمَا رُتْبَةً، وَأَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَسْمَاهُمَا مَنْزِلَةً.

وَأَمَّا أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلاثَةِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا سَبِيلَهُمَا - يَعْنِي فِي تَجْرِيدِ الصَّحِيحِ -، وَلَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ لَجَاءَتْ كُتْبُهُمْ عَلَى خِلافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ.

فَأَمَّا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ خَاصَّةً، فَقَدْ جَمَعَ أَقْسَامَ الْحَدِيثِ وَنَوَّعَ، وَبَيَّنَ الْعِلَلَ، فَأَجَادَ وَأَقْنَعَ، وَفَصَّلَ مَرَاتِبَ الأَخْبَارِ وَدَرَجَاتِهَا، وَذَكَرَ الرُّوَاةَ وَتَعْدِيلَهُمْ وَجَرْحَهُمْ، بَلْ ذَكَرَ اصْطِلاحَاتٍ زَائِدَةً عَمَّا ذَكَرَهَا أَهْلُ الاصْطِلاحِ، وَعَنْ ذَلِكَ اسْتَشْكَلَ الْحُفَّاظُ بَعْدَهُ جُمْلَةً مِنْ أَحْكَامِهِ عَلَى دَرَجَاتِ الأَحَادِيثِ وَمَرَاتِبِهَا!.

قَالَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الأَلْفِيُّ فِي بَحْثِهِ «الْمَتْرُوكُونَ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» (ص 3) : «فَإِنَّ جَامِعَ التِّرْمِذِيِّ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَاتِ، وَلا لِلرُّوَاةِ الثِّقَاتِ، بَلْ جَمَعَ بَيْنَ طَيَاتِهِ صُنُوفًا شَتَى مِنَ الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَاتِ. فَفِيهِ الثَّلاثَةُ الأَقْسَامِ: الصَّحِيحُ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّعِيفُ عَلَى اخْتِلافِ مَرَاتِبِهَا، وَأَنْوَاعِهَا. وَفِيهِ الثِّقَةُ، وَالصَّدُوقُ، وَالْمَتْرُوكُ، وَالْكَذَّابُ، وَالْوَضَّاعُ، على اخْتِلافِ مَرَاتِبِهِمْ، وَدَرَجَاتِهِمْ. وَإِحْصَاءُ كُلِّ ضَرْبٍ مِنَ الرُّوَاةِ الْمَذْكُورِينَ يَحْتَاجُ إِلَى إِحَاطَةٍ تَامَّةٍ بِالْجَامِعِ، وَمَعْرِفَةِ مَنْهَجِ التِّرْمِذِيِّ فِي تَصْنِيفِهِ، وَمُقَارَنَةِ اصْطِلاحَاتِهِ فِي جَامِعِهِ بِاصْطِلاحَاتِ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. وِلِهَذَا صَارَ هَذَا الْعَمَلُ مِنْ أَعْسَرِ الدِّرَاسَاتِ وَأَعْقَدِهَا، لا سَيِّمَا الْمَتْرُوكُونَ مِنْ رُوَاةِ الأَخْبَارِ، وَحَمَلَةِ الآثَارِ.

وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يُفْصِحْ عَنْ غَايَتِهِ مِنْ تَصْنِيفِ كِتَابِهِ، لَكِنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْهُ قَوْلَهُ: مَا أَخْرَجْتُ فِي كِتَابِي إِلاَّ حَدِيثًا قَدْ عَمِلَ بِهِ الْفُقَهَاءُ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، فَهُوَ شَرْطٌ يِتَّسِعُ لِتَخْرِيْجِ كُلِّ حَدِيثٍ احْتَجَّ بِهِ فُقَهَاءُ زَمَانِهِ، وَمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمَتْرُوكِينَ وَالْوَضَّاعِينَ، احْتَجَّ بِهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَذَاهِبِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَقَدْ بَانَ ذَلِكَ مِنْ تَعْقِيبَاتِهِ الْكَثِيْرَةِ عَلَى الأَحَادِيثِ، بِمِثْلِ قَوْلِهِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلِهِ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَحْوِ هَذِهِ الْمَقَالاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت