فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 14

وَقَدْ قَالَ أَبُو عِيسَى فِي مُقَدِّمَةِ «الْعِلَلِ الصَّغِيْرِ» (5/ 692) : جَمِيعُ مَا فِى هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْحَدِيثِ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مَا خَلاَ حَدِيثَيْنِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ وَلاَ مَطَرٍ، وَحَدِيثُ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فِى الْكِتَابِ اهـ.

وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الأَلْفِيُّ فِي بَحْثِهِ: «وَاعْلِمْ وَتَيَّقَنْ: أَنَّ الإِمَامَ أَبَا عِيسَى التِّرْمِذِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ أَحَادِيثَ الْمَتْرُوكِينَ وَالْوَضَّاعِينَ لِيَحْتَجَّ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الاحْتِجَاجِ: لا أَصْلًا، وَلا اعْتِبَارًا، وَلا شَاهِدًا، وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِهَا غَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ - مُعَاصِرُوهُ أَوْ سَابِقُوهُ -، فَخَرَّجَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ أحَادِيثَ بِأَسَانِيدَ لَهُ، كَعَادَةِ نُظَرَائِهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ أَهْلِ طَبَقَتِهِ، مَعَ تَيِّقُنِهِ مَعْرَفَةَ مَنْ يَقْرَؤُ كِتَابَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَحْوَالِ هَؤُلاءِ، وَأَحْكَامِ مَرْوِيَّاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِهَؤُلاءِ الرُّوَاةِ عَلَى وِفَاقِ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ فِي خَاتِمِةِ «كِتَابِ الضُّعَفَاءِ» ، حَيْثُ قَالَ: «فَجُمْلَةُ مَنْ سَمَّيْتُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِرِوَايَتِهِ لِلْمَنَاكِيْرِ، وَالْمَوْضُوعَاتِ، وَالأَبَاطِيلِ أَوْ ذَكَرْتُهُ بِضَعْفٍ، فَإِنَّ أَمْرَهُمْ لا يَخْفَى عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ النُّورَ فِي رِوَايَاتِهِمْ مَفْقُودٌ، وَالظُّلْمَةُ فِي أَكْثَرِ حَدِيثِهِمْ مَوْجُودٌ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِنَوْعٍ مِنَ الأَنْوَاعِ، إذَا نَظَرْتَ فِي حَدِيثِهِ، وَتَمَيَّزْتَهُ، ارْتَفَعَ الرَّيْبُ فِي أَمْرِهِ، وَظَهَرَ لَكَ حَقِيقَةُ مَا نَسَبْتُهُ إِلَيْهِ، وَأَكْثَرُهُمْ عِنْدِي لا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ، وَلا الاحْتِجَاجُ بَحِدِيثِهِمْ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ حَدِيثُ أَمْثَالِهِمْ لِلاعْتِبَارِ وَالْمَعْرَفَةِ، إذْ لا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِمْ إِلاَّ بِالنَّظَرِ فِي حَدِيثِهِمْ، وَإِذَا احْتَاجَ الرَّاوِي إِلَى ذِكْرِهِمْ عَرِفَ لَهُمْ مِنَ الْوَضْعِ وَالْكَذِبِ وَالْوَهْمِ وَالْخَطَأِ، وَالنَّكَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَذْكُرُهُمْ بِهِ، وَيُضِيفُهُ إِلَيْهِمْ، لِيَكُونَ مَا كَتَبَ مِنْ حَدِيثِهِ شَاهِدًا لَهُ عَلَى جَرْحِهِ لَهُمْ» .

قُلْتُ: وَفِيمَا قَالَهُ أبُو نُعَيْمٍ بَيَانٌ شَافٍ أَنَّ الْكَلْبِيَّ، وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنَ الْمَتْرُوكِينَ، لا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِيُعْتَبَرَ بِهِ، وَلا لِيُسْتَشْهَدَ لَهُ، وَلَكِنْ لِيَكُونَ شَاهِدًا عَلَى غَفْلَتِهِ وَحَالِهِ، وَحُجَّةً عَلَى إِطْرَاحِهِ وَإِهْمَالِهِ، وَدَلِيلًا عَلَى جَرْحِهِ وَالْقَدْحِ فِيهِ، وَتَنْبِيهًَا عَلَى مُجَانَبَتِهِ وَتَلافِيهِ.

وَقَدْ غَفَلَ الذَّهَبِيُّ - عَفَا اللهُ عَنْهُ - عَمَّا قَرَّرَهُ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ تَوْهِينِ الْكَلْبِيِّ، وَإِطْرَاحِهِ وَإِهْمَالِهِ لِحَدِيثِهِ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي «عِلَلِهِ الصَّغِيْرِ» (5/ 697) : «فَكُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ مِمَّنْ يُتَّهَمُ، أَوْ يُضَعَّفُ لِغَفْلَتِهِ وَكَثْرَةِ خَطَئِهِ، وَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ عَنِ الضُّعْفَاءِ، وَبَيَّنُوا أَحْوَالَهُمْ لِلنَّاسِ.

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْبَاهِلِىُّ حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ لَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ: اتَّقُوا الْكَلْبِىَّ، فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّكَ تَرْوِى عَنْهُ؟، قَالَ: أَنَا أَعْرِفُ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ» اهـ بِنَصِّهِ.

فَهَذَا مَقَالُهُ فِي «عِلَلِهِ» ، وَكَذَلِكَ صَنِيعُهُ فِي «جَامِعِهِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت