بَحْثٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ: أَعْذَبُ الْمَنَاهِلِ بِدَفْعِ تُهْمَةِ الْأَئِمَّةِ بِالتَّسَاهُلِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَصَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِعَظِيمِ التَّنْزِيلِ، وَجَعْلَهُ مُيَسَّرًا كَالْعَذْبِ السَّلْسَبِيلِ، وَرَفَعَ مَقَامَهَا بِكُلِّ شَرِيفٍ وَجَمِيلِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا الرَّسُولَ النَّبِيلَ، الْمُعَلِّمَ الْجَلِيلَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ سُنَّتُهُ فِي التَّشْرِيْعِ كَالتَّنْزِيلِ، وَجَعَلَهَا مِنْ أَرْفَعِ أَنْوَاعِ الدَّلِيلِ، مَنْ صَدَرَ عَنْهَا نَالَ بُغْيَتَهُ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فِيهَا حَازَ دَرَجَتَهُ، وَمَنْ تَرَكَهَا خَابَ سَعْيُهُ وَعَادَ وَهُوَ كَلِيلٌ، فَهِيَ شِفَاءُ الْعَلِيلِ، وَإِرِوَاءُ الْغَلِيلِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَشْرَفِ الْعُلُومِ وَأَزْكَاهَا، وَأَلْطَفِ الْمَعَارِفِ وَأَوْلاهَا، لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَاهْتَمَّ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَمُرُورًا بِقُرُونِ الرِّوَايَةِ وَالتَّصْنِيفِ الْمُسْنَدِ، بِكُلِّ أَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَتَبَّعُوهَا، وَدَقَّقُوا فِيهَا، رِوَايَةً وَدِرَايَةً، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ نَبْعًا خَالِصًا مِنَ الشَّوَائِبِ وَالدَّغَلِ.
فَاهْتَمَّ الْعُلَمَاءُ بِالْحُدُودِ وَقَوَاعِدِهَا، فَعَرَّفُوا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وَالْحَسَنَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمُنْكَرَ، وَالشَّاذَّ، وَالْمُعَلَّ، وَالْمُضْطَرِبَ.
وَنَظَرُوا فِي أَحْوَالِ الرُّوَاةِ جَرْحًا وَتَعْدِيْلًا، وَمَا بَيْنَهُمَا، كَطُرُوءِ الْوَهْمِ، وَالاخْتِلاطِ، وَمُطْلَقِ التَّفَرُّدِ، وَرِوَايَةِ مَا لا يُشْبِهُ مَرْوِيَّاتِ الثِّقَاتِ، وَالْمَجَاهِيلِ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ بَعْضَ الْعِبَارَاتِ وَالْقَوَاعِدِ؛ لَمْ تَقَعْ فِي عُقُولِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَوْقَعَ الصَّحِيحَ، وَلا الْفَهْمَ الدَّقِيقَ.
وَمَعَ ضَعْفِ الاهْتِمَامِ بِتَفْسِيْرِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ، دُفِعَ بَعْضُ طُلاَّبِ الْعِلْمِ وَالْمُصَنِّفِينَ إِلَى الْحَطِّ عَلَى بَعْضِ الأَئِمَّةِ، وَرَمْيِهِمْ بِبَعْضِ التُّهُمِ، وَمِنْ أَهَمِهَا وَأَسْوَئِهَا: التَّسَاهُلُ، حَتَّى غَلا بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقْبَلْ تَوْثِيقَاتِ الأَئِمَّةِ فِي بَابِ الرُّوَاةِ، وَلا تَصْحِيحَاتِهِمْ فِي بَابِ الأَحَادِيثِ.
وَوَصَلَ الْحَالُ بِبَعْضِهِمْ إِلَى رَدِّ تَوْثِيقَاتِ جَمْعٍ مِنَ الأَئِمَّةِ لِرَاوٍ وَاحِدٍ؛ بِزَعْمِ تَسَاهُلِهِمْ جَمِيعًا. حَتَّى أَصْبَحَ هَذَا الْعِلْمُ مَطِيَّةً لأَهْلِ الأَهْوَاءِ، لِقُبُولِ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَرَدِّ مَا يُصَادِمُهَا، وَيُعَارِضُهَا مِنَ الأدِلَّةِ النَّاصِعَةِ الْبُرْهَانِ، الْقَوِيَّةِ الثُّبُوتِ، الْوَاضِحَةِ الْبَيَانِ. وَتَجَرَّأَ الصِّغَارُ عَلَى الْكِبَارِ، وَتَنَامَتْ فِي هَذِهِ الْعُصُورِ الْمُتَرَدِيَّةِ مُسْتَوَيَّاتٌ رَدِيئَةٌ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى كِبَارِ الأَئِمَّةِ، وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ.
وَمَنْ صَحَّتْ مِنْهُمْ نِيَّتُهُ، وَعُرِفَ مُحَفِّزُهُ وَمَقْصِدُهُ، اضْطَرَرْنَا لِرَفْعِ الْمَلامِ عَنْهُ بِكَثْرَةِ الْتِمَاسِ الأَعْذَارِ، وَالتَّسَامُحِ مَعَهُ فِي تَضْعِيفِ بَعْضِ الأَخْبَارِ، وَتَوْهِينِ بَعْضِ الرُّوَاةِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ الأَخْيَارِ.
فَأَرَدْتُ فِي بَحْثِي هَذَا أَنْ أَدْفَعَ بِالأَدِلَّةِ عَنِ الأَئِمَّةِ الْكِبَارِ هَذِهِ الاتْهَامَاتِ، وَأَنْ أَدْحَضَ بِالْبُرْهَانِ هَذِهِ الافْتِرَاءَاتِ، وَأَنْ أَقْطَعَ الطُّرُقَ عَلَى أَهْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ الْمُسَارِعِينَ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ الثِّقَاتِ، أَوْ رَدِّ مَا يُقْبَلُ مِنَ الرُّوَايَاتِ.