ولكن الأزهر في قلب القاهرة .. وقد بدأت القاهرة ـ كغيرها من الحواضر الإسلامية ـ التي غزتها المدينة الغربية ـ تتجرد من طابعها الإسلامي في مختلف الجوانب والمظاهر، لا بل سبقت القاهرة سائر البلاد العربية في الأخذ بالألوان الدخيلة المخالفة لكل ما ألفه من حواضر الشام .. وحسبه منفراً من القاهرة ذلك السفور الذي بدأ يقتحم على المسلمة خدرها، والاختلاط الذي تفاقم حتى لا يخلو منه طريق، فأنى لمثل هذا الفتى الذي لا يكاد يعرف من الدنيا سوى المسجد والمدرسة والبيت .. أنى له أن يحتمل رؤية تلك المنكرات التي لا يملك صبراً على مشاهدتها! .. وما أفصح تعبيره عن ألمه وهو يكتب إلى بعض شيوخه في الشام قائلاً: (ماذا يأمل طالب العلم الحقيقي في مصر وهو يرى المحرمات من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله! .. ) وحتى الأزهر لم يسترح قلبه إليه وهو يرى إلى شيوخ فيه (غير عاملين بالسنة، وليس عندهم شيء من الروحانية، وطلبة يحلقون لحاهم وشواربهم وكثير منهم لا يصلون) .
وهذا ما أكرهه على العودة إلى حماة، ولكنه ما إن حل بين قومه حتى أحس بتغير الحياة كلها من حوله حتى أقرب الناس إليه قد جعلوا يقرعونه على تفويت تلك الفرصة التي لا تتاح إلا للمحظوظين .. مما اضطره للعودة في ليلة لم يودع فيها أحداً .. وكانت عودة موقفة لأن الشيخ صمم على قبول الأمر الواقع، فلم يلبث أن وجد أهلاً بأهل وشيوخاً بشيوخ، وجد فيهم الأنس الروحي، ووجدوا فيه الأخ الوفي .. وكان بين هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا الذي يقول عنه (إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين .. كان لله بكليته بروحه وجسده، بقلبه وقالبه، بتصرفاته وتقلبه، وكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار) .