وغضّ الطرف عن المحاسن مهما كثرت، وجعل الاهتمام منُصبّاً على الأخطاء التي لا يسلم منها بشر، وعندما يمتلئ القلب غيظاً وحقداً على فرد أو جماعة، لا يبقى أمام الإنسان سوى التفتيش عن عيوب الآخرين، والتنقيب عنها، وبل قد يحمل الأقوال والأفعال الحسنة على محامل سيئة، ويحكم على النوايا بالسوء، والأصل فيمن حسن قصده، ونبل هدفه، وصحت غايته أن يغتفر له ما قد يقع منه من زلات، وأن ينظر إلى كثرة محاسنه، التي يغتفر في جانبها بعض هفواته وعثراته، فقد عفى النبي صلى الله عليه وسلم عن حاطب زلته لسابقته وجهاده، وكونه من أهل بدر، بل قال عليه الصلاة والسلام فيه وفي أمثاله من أهل بدر ــ لعمر ــ: (( وما يدريك لعل الله اطلع عليهم، فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة ) ) ( [4] ) .
(9) وجماَعُ ذلك كله في الهوى:
فإنه مصدر كل بلية، ومنبع كل فتنة وانحراف، وأصل كل عدول عن الحق والعدل، فإنه ما استحكم في نفس أي شخص إلا أرداه، وربما زين له الحق باطلاً، والباطل حقاً، والله سبحانه لم يجعل بين الحق والهوى واسطة، بل حصر الاتباع بين اتباع الحق، أو اتباع الهوى، فقال سبحانه: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله .. ) [سورة القصص: 50] . وقد ورد في القرآن الكريم آيات متعددة في ذم الهوى، وبيان موارده الوخيمة:
-قال تعالى: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا .. ) [سورة النساء: 135] .
- (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين) [سورة الأنعام: 56] .
- (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) [سورة ص: 26] .
- (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) [سورة المؤمنون: 77] .
وأما أسباب الافتراق غير المباشرة التي تؤول بأصحابها إلى الافتراق فمن أهمها: