الذات اندفع الإشكال بأن كونه رئيسًا يستلزم توقف البراعة والتفوق عليه فَكَيْفَ يتوقف تعاطيه
على البراعة والتفوق الْمَذْكُور مع أنه يستلزم توقف نفس علم التَّفْسير عَلَى البراعة فهل هذا
إلا دور. وحاصله أن المتوقف عليه الاعتداد بها أي لا يعتد بها ما لم يؤخذ من الشرع ؛ إذ ما
من علم من العلوم الدينية أعني علم الْحَديث والفقه وعلم الْكَلَام إلا وهو مأخوذ من كلام
الله تَعَالَى الذي لا يفهم معناه إلا بعلم التَّفْسير وتعلمه موقوف في حد ذاته عَلَى البراعة
الْمَذْكُورة فلا دور لتغاير جهة التوقف نظيره أن الاعتماد بوجود الباري ووحدته وقدرته وكلامه
لا يتوقف عَلَى الشرع بالذات بل يتوقف الشرع عليها لكن تتوقف من جهة الاعتداد عَلَى
الشرع فلا دور فكذا فيما نحن فيه قوله أصولها كأصول الفقه وأصول الْحَديث والفروع علم
الفقه مثلا قوله أصولها بدل من كلها قدم الأصول لكونها موقوفا عليها وإن وكانت الفروع
مقصودة والجمع في الموضعيين باعْتبَار مسائلها وإلا فحق العبارة أصلين وفرعين، والمراد
بالعلوم الدينية ما لها انتساب وتعلق بالدين بوجه ما، ولا ريب في تعلق أصول الفقه وأصول
الْحَديث بالدين ولو بواسطة فروعها .
قوله: (وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعها) فاق تفنن في البيان في
الصناعات العربية قيل العلم إن لم يتعلق بكيفية العمل بل كان مقصودًا في نفسه يسمى علمًا
كان تعلق بها وكان المقصود منه العمل يسمى صناعة في عرف الخاص وينقسم إلَى قسمين
قسم يكون حصوله بمجرد النظر والاستدلال كالطب وقسم لا يحصل إلا بمزاولة العمل
كالخياطة والحياكة ونحوهما وهذا القسم يَخْتَصُّ باسم الصناعة في عرف العامة انتهى.
ومقتضى بيانه أن الفقه من قبيل الصناعات ولم يقل به أحد وأيضًا الخياطة ونحوها لا يسمى
علمًا؛ إذ الْمُرَاد بالعلم العلوم المدونة ونحو الخياطة ليس كَذَلكَ ؛ إذ ليس لها موضوع ولا
محمول ولا غاية وإطلاق العلم عليها لغة لا يفيد وإطلاق الصناعات عَلَى العلوم العربية
لمجرد التفنن ولذا عبر ثانيًا بالفنون الأدبية وفيه إشعار أنها مقصودة لغيرها لا لمجرد التعلق
بكيفية العمل لأنه غير مطرد كما عرفته وسميت الفنون الأدبية أدبية لأن أدب النفس في
تعبيرات الْكَلَام إنما يحصل بها وعرفوا علم الأدب بأنه علم يحترز به عن الخلل في كلام
العرب لفظا أو كتابة وقسموه إلَى اثني عشر قسما كما نقل عن شروح المفتاح وعلم
التَّفْسير يستمد من العروض والقافية وقرض الشعر وإنشائه بالنظر فيه عَلَى أتم الْوُجُوه
وإن لم يستمد منها بالنظر إلَى نفسه بدون ملاحظة الأتمية واستمداده من سائر الفنون ظاهر
فالخط فلأن الرسم العثماني يحتاج إليه فلا بد من معرفته لكن علم الخط والقافية لم
يلتفتوا إليهما في هذا الزمان فالاشتكاء إلَى الله تَعَالَى وكذا قرض الشعر والعروض والقافية إذ