فأحسن الحديث كلام الله، وأحسن الكتب المنزلة من كلام الله هذا القرآن، وإذا كان هو الأحسن، عُلم أن ألفاظَه أفصحُ الألفاظ وأوضحُها، وأن معانيه أجَلّ المعاني، لأنه أحسن الحديث في لفظه ومعناه، متشابها في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف، بوجه من الوجوه. حتى إنه كلما تدبره المتدبر، وتفكر فيه المتفكر، رأى من اتفاقه، حتى في معانيه الغامضة، ما يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم.
{مَثَانِيَ} أي: تُثَنّى فيه القصص والأحكام، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتُثَنّى فيه أسماء الله وصفاته، وهذا من جلالته، وحُسنه، فإنه - سبحانه وتعالى - لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكمِّلة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بَعُدَ عهدُها بسقْي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقْيُها حسُنتْ وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرّر معاني كلام الله تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مرةً واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعًا، ولم تحصل النتيجة منه.
ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثَّر في قلوب أولي الألباب المهتدين، فلهذا قال تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} لما فيه من التخويف والترهيب المزعج، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أي: عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغّبهم لعمل الخير، وتارة يرهّبهم من عمل الشر.
{ذَلِكَ} الذي ذكره الله من تأثير القرآن فيهم {هُدَى اللَّهِ} أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم، {يَهْدِي بِهِ} أي: بسبب ذلك {مَنْ يَشَاءُ} من عباده.