قال رضي الله عنه: وكلام الرب سبحانه يعرف بأمور: منها خروجه عن طوق البشر بل وسائر الحوادث، لأن كلامه على وفق علمه المحيط وعلى وفق قضائه وحكمه فله تعالى العلم المحيط والقضاء النافذ، والحادث ليس له علم محيط ولا قضاء نافذ، فهو أي الحادث يتكلم على وفق علمه الحادث وحكمه العاجز اللذين هما بيد غيره فهو يتكلم مع علمه بأنه ليس له من الأمر شيء، ومنها أن لكلامه تعالى نفسا لا يوجد في كلام غيره فإن الكلام يتبع أحوال الذات، فكلام القديم يخرج ومعه سطوة الألوهية وعزة الربوبية، ولذا مزج فيه الوعد بالوعيد والتبشير بالتخويف، ولو لم يكن فيه من العزة إلا أنه يتكلم والملك ملكه والبلاد بلاده والعباد عباده والأرض أرضه والسماء سماؤه والمخلوقات مخلوقاته لا منازع له في ذلك لكان ذلك كافيا. وكلام غيره عز وجل لا بد فيه من سمة الخوف، فإن المتكلم ولو فرضناه من أعلى المقربين فباطنه ممتلئ بالخوف منه تعالى وهو تعالى لا يخاف أحدا، فهو عزيز وكلامه عزيز.
ومنها أن الكلام القديم إذا أزيلت حروفه الحادثة وبقيت المعاني القديمة وجدتها تتكلم مع سائر الخلق لا فرق بين الماضي والحال والإستقبال، وذلك أنه أي المعنى قديم ليس فيه ترتيب ولا تبعيض، ومن فتح الله بصيرته نظر إلى المعنى القديم فوجده لا نهاية له ثم ينظر إلى الحروف فيراها شبه صورة ستر فيها المعنى القديم، فإذا أزال الصورة رأى ما لا نهاية له وهو باطن القرآن، وإذا نظر إلى الصورة وجدها محصورة بين الدفتين وهو ظاهر القرآن، وإذا أنصت لقراءة القرآن رأى المعاني القديمة راكدة في ظل الألفاظ لا يخفى عليه ذلك كما لا تخفى عليه المحسوسات بحاسة البصر.