وسمعته رضي الله عنه يقول: إنما أخذ العبد الضعيف وكان تدميره في تدبيره حيث عزل ذاته عن الله تعالى، وجعل ينظر في أمرها بالتدبير والقيام عليها، ويبذل مجهوده في تحصيل مطالبها، وهو في ذلك كله غافل عن الله تعالى، فوكله الله تعالى إلى نفسه، وجعله يشعر بالأغيار كما انقطع إلى الأغيار، فتراه يتألم بالبرد والحر وتضره الجراحات وغير ذلك من أنواع الأذيات، ولو أنه لم يعزل نفسه عن ربه عز وجل، وجعل زمامها بيد خالقه، وقطع النظر عن غيره، ومحا من قلبه جميع الأغيار، فإنه لا يحس حينئذ بألم من الآلام ولو كان يمشي على حسك الحديد والسفافيد. قال: ولأجل الغفلة عن الله سبحانه عظم الحمل على العبد وجاءته التكاليف، وأرسلت إليه الرسل بالشرائع ليردوه عن الغفلة إلى الله سبحانه، ولولا الغفلة عن الله تعالى لكان البشر مثل الملائكة ولم يحتاجوا إلى تحمل هذه التكاليف الشاقة، ولولا الغفلة عن الله تعالى لم تكن جهنم أصلا، ولولا الغفلة عن الله تعالى لشاهد العبد أفعاله مخلوقة لربه سبحانه فلم تكن له نفس يشاهدها فضلا عن أن ينسب إليها شيئا، وإذا كان بهذه المثابة فإنه يكون فانيا دائما فكيف يكلف مثل هذا، والله تعالى أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: أحمق الناس من يشد في الذي يمشي يعني الذي يفني وهو الدنيا وما يتعلق بها، وأعقل الناس من يشد في الذي يبقى وهو الحق سبحانه، فإن الفاني إذا قبض في الفاني لم ينفع أحدهما الآخر، وإذا قبض الفاني في الباقي صار الفاني باقيا.
قال رضي الله عنه: والناس يقولون لا دواء للموت، وهو له دواء ودواؤه ما ذكرناه لا دواء غير ما ذكرناه. ثم أقسم بالله وأكد قسمه وكرره مرارا، وقال: إن العبد إذا شد في الله سبحانه شدا عجيبا ظاهرا وباطنا فإنه لا يفنى ولا يموت الموتة التي يعرفها الناس.