الصفحة 14 من 34

الإسلام ... وتوحيد المشرّع

التشريع في الإسلام لا يكون إلا لله، ومن زعم لنفسه الحق في التشريع بغير سلطان من الله، فقد تجاوز حد العبودية، وتطاول إلى مقام الألوهية، وجعل نفسه ندًا لله تعالى، فالمشرع هو الله وحده، ولا تشريع إلا ما شرعه سبحانه، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} فالتشريع المطلق حق خالص لله وحده لا ينازعه في ذلك أحد كما قال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} [الكهف: 26] ، وقال سبحانه: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40] ، ولذلك أوجبت الشريعة التحاكم إلى الشرع وجعلته شرط الإيمان، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ، وقال سبحانه: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] .

فالشرع المنّزل من عند الله تعالى، وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر.

فلا إسلام لمن منح البشر اختصاص الربوبية والرسالة من حق التشريع، والخضوع والإذعان التام لغير الله ورسوله، لأن معنى الإسلام كما بينا هو الاستسلام لله ورسوله بالطاعة والخضوع للأوامر الصادرة منهما، ولا يصح إسلام من يتمرد على حكم الله ورسوله.

فمعنى الإسلام: الاستسلام والطاعة لشريعة الله ... ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أي جزئية من جزئيات الحياة، هو رفض للاعتراف بألوهية الله وسلطانه، سواء كان هذا الرفض باللسان أو بالفعل دون القول.

بل المسلم يتبع حكم الله في كل شأن من شؤون حياته، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسول. وقبول المسلم لشرع الله، هو رفض لشرع غيره ... وقبوله لأي جزئية من جزئيات شرع غير الله هو رفض لشرع الله في هذه الجزئيات، وهذا يعني رفض شرع الله كله، قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله. ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] ، ومعنى لا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله: لا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلًا منهم بعضنًا ... بشر مثلنا ... وهو نظير قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} ، معناه: أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم مما لم يحرمه الله ولم يحله الله.

وعلى هذا فالتحاكم إلى البشر عن رضى وطواعية هو خلع لربقة الإسلام من الأعناق، وقبول شريعة أي بشر وتقديمها على الكتاب والسنة هو الكفر بعينه.

فالله هو المشرّع وهو الحَكَم، وكتابه هو المهيمن، والناس ليس لهم مع القرآن والسنة سوى التنفيذ والتطبيق. وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكّموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، نفيًا موكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} ... وتأمل قوله عز وجل: {فيما شجر بينهم} فإن اسم الموصول"ما"مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول، هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدر فلا فرق بين نوعٍ ونوعٍ، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير.

فقبول شرع الله كله، ورفض شرع سواه كله هو الإسلام، وليس للإسلام حقيقة سواه، والرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب وهو أساس الإسلام وقاعدته، فيجب على العبد أن يكون راضيًا بلا حرج ولا منازعة ولا مدافعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} ، فالله عز وجل أقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليمًا، وهذه حقيقة الرضا بحكمه، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان، وإذا كان يكفي لإثبات الإسلام أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله فإنه لا يكفي في الإيمان هذا ما لم يصحبه الرضى النفسي والقبول وإسلام القلب والجنان في اطمئنان.

ولا يجتمع التحاكم إلى غير شريعة الله، أو رفض التحاكم إلى شريعة الله، لا يجتمع هذا وذاك مع الإسلام بأي حالٍ من الأحوال، ومن يرد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم.

فقبول شرع الله سبحانه يتحقق بعدم رد أمر الله عليه، وقبول شرع غيره يعرف بعدم الرد، فإن منع من رفض ورد شريعة غير الله الإكراه، فلا بد من كره القلب، وهذا يعني عدم مظاهرة القائمين على غير شريعة الله ... حاكمًا كان أو حزبًا أو طبقة.

فالمسلم يلتزم بمقتضى إسلامه أن يتّبع حكم الله في كل شأن من شؤون حياته، قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} هذه واحدة، والثانية أن المسلم ملزم بمتابعة الرسول فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوا وما نهاكم عنه فانتهوا} ، وهذا أمر عام في الأمر والنهي، والحلال والحرام وكذلك في الحكم والاحتكام، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} ، والتحاكم إلى شريعة الله متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلّغها عن الله.

فالمشرع هو الرحمان، وليس البرلمان، والشريعة هي الكتاب والسنة، وليس إرادة الأمة، والإسلام هو توحيد المشرّع ... ومتابعة المبلّغ.

إن هذا الدين شريعة وعقيدة، وشريعته هي الترجمة الواقعية لعقيدته، فهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والشريعة ... بل الإسلام ... عقيدة وشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت