معاني الأخلاق ، ومجانبة ما لا يقرب منها ، فمن أراد النظر في السماء والأرض
ليحقق إيمانه بموجدها ويتحقق برهانه بجاعلها ومرتبها - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ،
فليجمع فؤاده وليحضر قلبه ، وليحل فكره فيما أظهر الله - جلَّ جلالُه - في السماء من غريب
الصنعة ولطيف الحكمة ، فإنه يرى ما يبهر عقله ويحير له من سقف مرفوع لا
كالسقوف االمعهودة ، وبناء لا كالأبنية المألوفة في عظم خلقه وسعة بسطه ، وعلو
بناء وارتفاع سمك مزين بأزين زينة عزيز لا تناله مطالب الطامعين ، محفوظ بحراسة
الرجوم عن مسترق السمع من الشياطين ، محسن المنظر للناظرين بأحكم حكمة
وأجمل وأجمع ترصيع وأكمل ترتيب ، معلق في الهواء المرتفع ، ممسك في لوح
الجو أن تقع ، ما وقعت قط عين أحد من الناظرين إليه على علائق تمسكه ولا
دعائم تقله .
ثم سافر بطرفك في أبعاده ، وأجل بصرك في أعماقه ، فقد جاء عن رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ما بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام"وذكر مثل ذلك
فيما بين سماء سماء إلى سبع سماوات ، وذكر أن كثف كل سماء خمسمائة عام .
فانظر هل رث منه قط جانب ، أو انهار منه طرف ، أو حدث لشيء منه صدع
مكشوف لعقول المعتبرين ما تعاوره على الدوام من ضروب التدبير ، محجوبة عن
ذلك عقول العاقلين ، فاعجب لهذا كله ، وقف على فصل منه بعقل وفهم .
ثم أعد النظر عند انحسار طرفك على بلوغ أمره ، كيف لا يسقط مما هو فيه
ويتدكدك بمن عليه مع عظم جرمه وامتداد سفر الناظر في عمقه ؛ وكيف يمتسك مع
هذا في الهواء اللطيف والمشاهدة تقضي والمعهود يعطي أن ريشة على خفتها لو
طرحت فيه ما استقرت حتى تهوي سفلا ؛ فلولا أن صانعًا صنع هذا المصنع ،
وحكيمًا أتقن هذا المُبدَع ، وحفيظًا يحفظه ، وماسكًا يمسكه ، وقادرا اقتدر على ذلك ،
ومدبرًا أراده ، ومنشئًا دبره ، وقيومًا يقيمه ، ومبدعًا أبدعه بقدرته ومشيئته ، يمسكه في
الهواء بأيده لانهد من قواعده وانهار من جوانبه .
ثم اعتبروا نظر لما سخره الخلاق العظيم فيما بينهما من أفلاك مسخرة بحمل