فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 2809

معاني الأخلاق ، ومجانبة ما لا يقرب منها ، فمن أراد النظر في السماء والأرض

ليحقق إيمانه بموجدها ويتحقق برهانه بجاعلها ومرتبها - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ،

فليجمع فؤاده وليحضر قلبه ، وليحل فكره فيما أظهر الله - جلَّ جلالُه - في السماء من غريب

الصنعة ولطيف الحكمة ، فإنه يرى ما يبهر عقله ويحير له من سقف مرفوع لا

كالسقوف االمعهودة ، وبناء لا كالأبنية المألوفة في عظم خلقه وسعة بسطه ، وعلو

بناء وارتفاع سمك مزين بأزين زينة عزيز لا تناله مطالب الطامعين ، محفوظ بحراسة

الرجوم عن مسترق السمع من الشياطين ، محسن المنظر للناظرين بأحكم حكمة

وأجمل وأجمع ترصيع وأكمل ترتيب ، معلق في الهواء المرتفع ، ممسك في لوح

الجو أن تقع ، ما وقعت قط عين أحد من الناظرين إليه على علائق تمسكه ولا

دعائم تقله .

ثم سافر بطرفك في أبعاده ، وأجل بصرك في أعماقه ، فقد جاء عن رسول الله

-صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ما بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام"وذكر مثل ذلك

فيما بين سماء سماء إلى سبع سماوات ، وذكر أن كثف كل سماء خمسمائة عام .

فانظر هل رث منه قط جانب ، أو انهار منه طرف ، أو حدث لشيء منه صدع

مكشوف لعقول المعتبرين ما تعاوره على الدوام من ضروب التدبير ، محجوبة عن

ذلك عقول العاقلين ، فاعجب لهذا كله ، وقف على فصل منه بعقل وفهم .

ثم أعد النظر عند انحسار طرفك على بلوغ أمره ، كيف لا يسقط مما هو فيه

ويتدكدك بمن عليه مع عظم جرمه وامتداد سفر الناظر في عمقه ؛ وكيف يمتسك مع

هذا في الهواء اللطيف والمشاهدة تقضي والمعهود يعطي أن ريشة على خفتها لو

طرحت فيه ما استقرت حتى تهوي سفلا ؛ فلولا أن صانعًا صنع هذا المصنع ،

وحكيمًا أتقن هذا المُبدَع ، وحفيظًا يحفظه ، وماسكًا يمسكه ، وقادرا اقتدر على ذلك ،

ومدبرًا أراده ، ومنشئًا دبره ، وقيومًا يقيمه ، ومبدعًا أبدعه بقدرته ومشيئته ، يمسكه في

الهواء بأيده لانهد من قواعده وانهار من جوانبه .

ثم اعتبروا نظر لما سخره الخلاق العظيم فيما بينهما من أفلاك مسخرة بحمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت