كله له خير إلا المؤمن"ولا يتم ما تقدم ذكره من المقامات إلا بالرضا وإن لم"
يعتمد الصابر على الرضا ولم يداخل الرضا صبره أوشك أن يسخط ؛ إذ منبعث
الصبر عن معرفة قدر الجزاء من ثواب مرتجيه أو صرف عقاب يتقيه أو صبر هو لله
أو صبر هو بالله ، وإذا لم يعتمد صبره من هذه المقامات على الرضا ذل صاحبه
وخالطه الجزع .
وعلامة الرضا: سرور القلب بأمر القضاء ، واستواء المحبوب عنده بالمكروه ؛
لأنهما طريقان إلى الله ، يحمد الله على هذا ويحمده على هذا ، وأرفعه ما كان عن
موافقة الله - جل ذكره - في تقديره الأول في نزول الحكم بالتدبير .
ومن أدب الراضي: ألَّا يريد إلا الله ، ولا يريد حتى يريد الله - جلَّ جلالُه - هو الأول
والآخر ، وأعلى الرضا: ترك المعارضة ، والعمل في الموافقة ، ويقع العمل
للعبد بأن الله عنه راضٍ إذا وفقه لما يحب ويرضى ، وعصمه من كل ما يكرهه
ويسخطه ، فيعلم حينئذٍ أنه إن وافى به أجله على ذلك فهو عنه راضٍ .
وأصل الرضا: العلم بالله والمعرفة ، ومخرجه من حسن الظن بالله تعالى ، وإذا
علمت النفوس وأيقنت القلوب بما شهدت به العلوم إن الله تعالى أجرى بمشيئته ما
هو خير لعباده المؤمنين من اختياره ومحبته أيقنت القلوب حينئذٍ أن العدل لواحد
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وخرست الألسن عن الاعتراض على من قد
علمت أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه ، ومن قولهم من لم يرضَ عن الله في
المنع لم يسلم من المعصية في العطاء .
وعلامة رضا العبد عن الله - جلَّ جلالُه - فإنه إذا رضي الله بعبده عبدًا رضي العبد به ربًّا
ولا يتم الرضا إلا بالمحبة ، وقد تقدم الكلام فيها في غير هذا الموضع ، وعلامته إذا
أحب الله العبد حبب إليه نفسه فأحبه العبد ، فعلامة حبه إياك حبك إياه ، وعلامة
حب محبة العبد الله - جلَّ جلالُه -: التزام الموافقة له ، واتباع سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ودوام الأسهار
بذكره ، وحلاوة المناجاة له ، ويتصل الرضا بالمحبة .
ومقام المحبة يداخل مقام الرضا؛ لقرب المقامين بعضهما من بعض ، وإذا