قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"إذا قضى الله الأمر في السماء"والسماء هنا عبارة عن علو
الخليقة"سمعت له الملائكة كوقع سلسلة على صفوان"هذا في حق الملائكة ،
فتضع أجنحتها خضعانًا للأمر ، وفي أثناء ذلك يفرغ الله - جلَّ جلالُه - عن قلوبهم ما بها من
هيبة وخضوع وفزع مع انتظار منهم للفتح ، فإذا فرغ ذلك عن قلوبهم فهموا عن
ذلك القضاء والأمر النازل عليهم الحق .
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس هذا في حقه ،
فيفصم عنه وقد وعى عنه ما قاله ، فالملائكة - على جميعهم صلوات الله وسلامه -
مع ربهم في مثل ذلك ، فالله الذي لا إله إلا هو بما هو له الأسماء الحسنى
والصفات العلا ، والعباد وهم الملائكة الذين هم حملة العرش ومن حوله إذا نزل
الأمر خضعوا ، وهو عنوان الخليقة كلها خضوعهم لعزته وتضاؤلهم لعظمته
وتصاغرهم لكبريائه ، لذلك ما سوى مخلوقا كائنًا ما كان إلا سجد له .
وعنوان الإنباء والنبوة نزول الأمر وقضاء القضاء وإفهام الملائكة - عليهم
السلام - إياه ، وعنوان الرسالة قولهم إذا سألهم من دونهم: ماذا قال ربكم ؟ الحق ،
بلغوا إليهم ما أفهمهم الله جل ذكره عنه ، وكما أفهم هؤلاء - أعني: أصحاب عليين
-ما شاء إفهامه كذلك يفهم الذين من دونهم من قول من فوقهم ما شاء إفهامه ، ثم
كذلك إلى تقلبهم إلى منتهى المراد بالأمر ، فهذا علم [الألوهية] والوحدانية
والأسماء والصفات والمثل الأعلى مجملًا .
ثم يشفعون فيما أذن بالشفاعة فيه مما رضي ، فهذه الشفاعة والمشفوع فيه
والشافع الملك الحق ، ثم تستدير الدوائر ، لتدبير للأمر ، ففي ذلك الوجود
كله ، ثم بعد هذا التفصيل (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)
فهذا القرآن بما فيه والوجود كله بما فيه ، ووسع كل شيء كلامه العظيم ، وهو الحق
(مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) وهو عنوان الحق المخلوق به السماوات والأرض
ثم قال: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) .