ثم العلم بملكوت السماوات والأرض وما بين ذلك ، وما علا وما سفل ، ثم
العلم بالحق الذي خلق الله ذلك كله به إلى موجودات الجنة في الدرجات العلا
منها ، ثم إلى مشاهدة الحق المبين(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)ثم إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
على قلب بشر .
(فصل)
الوصول إليه - جلَّ جلالُه - في الدنيا هو بالعلم واليقين ، وذلك قد يكون ابتداء من الله
جلَّ ذكره تنبيهًا للعبد وإكرامًا له ، لكن المعهود من ذلك بالتذكر وعند عقيب الذكر
والفكر والتدبر واستعمال العبرة .
قال الله عز من قائل: ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ أُولُو الْأَلْبَابِ ) .
وقال عز قوله: (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) .
فلما أبصروا وعاينوا ما وصلوا إليه بإيمانهم قالوا: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا . . . . . . ).
والصلاة بحقيقتها جمعت ذلك كله ؛ أعني: الفكر والذكر والعلم ، والبصيرة
فيها أثقب ؛ لصفاء أنوارها من أجل بركة الشهود العلي ، وما جعلت الصلاة له
والذكر والتذكار في الدنيا على حكم العبرة والعلم بما هو المعبور إليه هو الجنة
الصغرى ، والصلاة خاصتها وسرتها .
قال - صلى الله عليه وسلم - في المعبور له من هذه ، وهي الجنة:"إنهم يلهمون التسبيح كما"
يلهمون النفس"."
ومصداق ذلك من القرآن: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) . وفي التذكر والتفكر وحال
وجود العلم وجود الذكر لا محالة التهليل والتسبيح والتحميد وغير ذلك من الذكر .