(وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا)
أَيْ جَعَلْنَاهُ صَافِيًا مِنَ الْأَدْنَاسِ، وَاصْطِفَاؤُهُ بِالرِّسَالَةِ وَالْخُلَّةِ وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي وَفَّى وَوَصَّى بِهَا، وَبِنَاءِ الْبَيْتِ، وَالْإِمَامَةِ، وَاتِّخَاذِ مَقَامِهِ مُصَلَّى، وَتَطْهِيرِ الْبَيْتِ، وَالنَّجَاةِ مِنْ نَارِ نُمْرُوذَ، وَالنَّظَرِ فِي النُّجُومِ، وَأَذَانِهِ بِالْحَجِّ، وَإِرَاءَتِهِ مَنَاسِكَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ اللَّهَ فِي كِتَابِهِ، مِنْ خَصَائِصِهِ وَوُجُوهِ اصْطِفَائِهِ.
(وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
ذَكَرَ تَعَالَى كَرَامَةَ إِبْرَاهِيمَ فِي الدَّارَيْنِ، بِأَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ صَفْوَتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ فِي الْخَيْرِ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ
لَا يَعْدِلَ عَنْ مِلَّتِهِ. وَهَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ، أَمَّا الْأُولَى فَبِاللَّامِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَبِإِنَّ وَبِاللَّامِ.
وَلَمَّا كَانَ إِخْبَارًا عَنْ حَالَةٍ مُغَيَّبَةٍ فِي الْآخِرَةِ، احْتَاجَتْ إِلَى مَزِيدِ تَأْكِيدٍ، بِخِلَافِ حَالِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ أَرْبَابَ الْمَآلِ قَدْ عَلِمُوا اصْطِفَاءَ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْهُ وَنَقَلُوهُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَأَمْرٌ مُغَيَّبٌ عَنْهُمْ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِخْبَارِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مُبَالِغًا فِي التَّوْكِيدِ، وَ (فِي الْآخِرَةِ) مُتَعَلّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، أَيْ وَإِنَّهُ لَصَالِحٌ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى إِضْمَارِ، أَعْنِي: فَهُوَ لِلتَّبْيِينِ، كَلَكَ بَعْدُ سُقْيًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالصَّالِحِينَ، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ فِي صِلَةِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَلَا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الْوَصْفِ إِذْ ذَاكَ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ الْمَعْمُولُ ظَرْفًا أَوْ جَارًّا وَمَجْرُورًا.
قَالَ: لِأَنَّهُمَا يَتَّسِعُ فِيهِمَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهِمَا. وَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ غَيْرَ مَوْصُولَةٍ، بَلْ مَعْرِفَةٍ، كَهِيَ فِي الرِّجْلِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ الْمَجْرُورُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ إِذْ ذَاكَ.
وَقِيلَ: فِي الْآخِرَةِ، أَيْ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
وَقِيلَ: الْآخِرَةُ هُنَا الْبَرْزَخُ، وَالصَّلَاحُ مَا يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ فِي الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: الْآخِرَةُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمِنَ الصَّالِحِينَ، أَيِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ صَالِحَ الْجَزَاءِ.
قَالَ مَعْنَاهُ الْحَسَنُ.
وَقِيلَ: الْوَارِدِينَ مَوَارِدَ قُدْسِهِ، وَالْحَالِّينِ مَوَاطِنَ أُنْسِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، التَّقْدِيرُ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ خَطَأٌ يُنَزَّهَ كِتَابُ اللَّهِ عَنْهُ.