أَنْعَمْتَ، النِّعْمَةُ: لِينُ الْعَيْشِ وَخَفْضُهُ.
عُدِّيَ بِـ (عَلَى) ، وَأَصْلُهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ. أَنْعَمْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ صَاحِبَ نِعْمَةٍ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَعَانِي الَّتِي لِأَفْعَلَ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مَعْنًى، هَذَا أَحَدُهَا. وَالتَّعْدِيَةُ، وَالْكَثْرَةُ، وَالصَّيْرُورَةُ، وَالْإِعَانَةُ، وَالتَّعْرِيضُ، وَالسَّلْبُ، وَإِصَابَةُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى مَا صِيغَ مِنْهُ، وَبُلُوغُ عَدَدٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَمُوَافَقَةُ ثُلَاثِيٍّ، وَإِغْنَاءٌ عَنْهُ، وَمُطَاوَعَةُ فِعْلٍ وَفِعْلٍ، وَالْهُجُومُ، وَنَفْيُ الْغَرِيزَةِ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالدُّعَاءُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ، وَالْوُصُولُ، وَالِاسْتِقْبَالُ، وَالْمَجِيءُ بِالشَّيْءِ وَالتَّفْرِقَةُ، مِثْلَ ذَلِكَ، أَدْنَيْتُهُ وَأَعْجَبَنِي الْمَكَانَ، وَأَغَدَّ الْبَعِيرُ وَأَحْلَيْتُ فُلَانًا، وَأَقْبَلْتُ فُلَانًا، وَاشْتَكَيْتُ الرَّجُلَ، وَأَحْمَدْتُ فُلَانًا، وَأَعْشَرْتُ الدَّرَاهِمَ، وَأَصْبَحْنَا، وَأَشْأَمَ الْقَوْمُ، وَأَحْزَنَهُ بِمَعْنَى حَزَّنَهُ، وَأَرْقَلَ، وَأَقْشَعَ السَّحَابُ مُطَاوِعُ قَشَعَ الرِّيحُ السَّحَابَ، وَأَفْطَرَ مُطَاوِعُ فَطَّرْتُهُ، وَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ، وَأَسْتَرِيحُ، وَأَخْطَيْتُهُ سَمَّيْتُهُ مُخْطِئًا، وَأَسْقَيْتُهُ، وَأَحْصَدَ الزَّرْعُ، وَأَغْفَلْتُهُ وَصَلَتْ غَفْلَتِي اليه، وافقته اسْتَقْبَلْتُهُ بِأُفٍّ هَكَذَا مِثْلُ هَذَا.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَفْعَلَ فَعَلَ، وَمُثِّلَ الِاسْتِقْبَالُ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ: أَسْقَيْتُهُ أَيِ اسْتَقْبَلْتُهُ بِقَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ، وَكَثَّرْتُ جِئْتُ بِالْكَثِيرِ، وَأَشْرَقَتِ الشَّمْسُ أَضَاءَتْ، وَشَرَقَتْ طَلَعَتْ.
وَجُعِلَ (الْإِنْعَامُ) فِي صِلَةِ الَّذِينَ، وَ (الْغَضَبُ) فِي صِلَةِ أَلْ، لِأَنَّ صِلَةَ (الَّذِينَ) تَكُونُ فِعْلًا فَيَتَعَيَّنُ زَمَانُهُ، وَصِلَةُ (أَلْ) تَكُونُ اسْمًا فَيَنْبَهِمُ زَمَانُهُ، وَالْمَقْصُودُ طَلَبُ الْهِدَايَةِ إِلَى صِرَاطِ مَنْ ثَبَتَ إِنْعَامُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَتَحَقَّقَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَتَى بِالْفِعْلِ مَاضِيًا وَأَتَى بِالِاسْمِ فِي صِلَةِ أَنَّ لِيَشْمَلَ سَائِرَ الْأَزْمَانِ، وَبِنَاهِ لِلْمَفْعُولِ، لِأَنَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْهِدَايَةُ وَنُسِبَ الْإِنْعَامُ إِلَيْهِ لَا يُنَاسِبُ نِسْبَةَ الْغَضَبِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَقَامُ تَلَطُّفٍ وَتَرَفُقٍ وَتَذَلُّلٍ لِطَلَبِ الْإِحْسَانِ، فَلَا يُنَاسِبُ مُوَاجَهَتَهُ بِوَصْفِ الِانْتِقَامِ، وَلِيَكُونَ الْمَغْضُوبُ تَوْطِئَةً لِخَتْمِ السُّورَةِ بِالضَّالِّينَ لِعَطْفِ مَوْصُولٍ عَلَى مَوْصُولٍ مِثْلَهُ لِتَوَافُقِ آخِرِ الْآيِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِنْعَامِ، الْإِنْعَامُ الدِّينِيُّ، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ غُضِبَ عَلَيْهِ وَضَلَّ.
وَقِيلَ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالُّونَ النَّصَارَى.
وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعَاصِي لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِالْعَبْدِ قَبْلَ خَلْقِهِ وَقَبْلَ صُدُورِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَوْ إِحْلَالُ الْعُقُوبَةِ بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ.
وَقَدَّمَ الْغَضَبَ عَلَى الضَّلَالِ، وَإِنْ كَانَ الْغَضَبُ مِنْ نَتِيجَةِ الضَّلَالِ ضَلَّ عَنِ الْحَقِّ فَغَضِبَ عَلَيْهِ لِمُجَاوَرَةِ الْإِنْعَامِ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ قَرِينَةٌ، لِأَنَّ الْإِنْعَامَ يُقَابَلُ بِالِانْتِقَامِ، وَلَا يُقَابِلُ الضَّلَالُ الْإِنْعَامَ فَالْإِنْعَامُ إِيصَالُ الْخَيْرِ إِلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَالِانْتِقَامُ إِيصَالُ الشَّرِّ إِلَى الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَبَيْنَهُمَا تَطَابُقٌ مَعْنَوِيٌّ، وَفِيهِ أَيْضًا تَنَاسُبُ التَّسْجِيعِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا الضَّالِّينَ، تَمَامُ السُّورَةِ، فَنَاسَبَ أَوَاخِرَ الْآيِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْغَضَبُ، وَمُتَعَلّقُهُ لَمَا نَاسَبَ أَوَاخِرَ الْآيِ. وَكَانَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ الْجَامِعَةِ الَّتِي لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِحُصُولِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ مُغَايَرَةِ جَمْعِ الْوَصْفَيْنِ، الْغَضَبِ عَلَيْهِ، وَالضَّلَالِ لِمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ فُسِّرَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. فَالتَّقْدِيمُ إِمَّا لِلزَّمَانِ أَوْ لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ أَقْدَمُ وَأَشَدُّ عَدَاوَةً مِنَ النصارى.