(إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
الْمَجِيءُ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِقْلَالِ الْجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ إِنَّ اللَّهَ، وَلَمْ يجئ إِنَّهُ، مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ.
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظَاهِرَةُ التَّنَاسُبِ فِي خَتْمِ مَا قَبْلَهَا بِهَا، تَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ.
وَكَنَّى بِقَوْلِهِ: (بَصِيرٌ) عَنْ عِلْمِ الْمُشَاهَدِ، أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَمَلَ عَامِلٍ وَلَا يُضَيِّعُهُ، وَمَنْ كَانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هُوَ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ، وَأَتَى بِلَفْظِ بَصِيرٌ دون مبصرا، إِمَّا لِأَنَّهُ مِنْ بَصُرَ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ وَالسَّجِيَّةِ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ، أَوْ لِأَنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبَالِغَةِ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، الَّذِي هُوَ لِلتَّكْثِيرِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، كَالسَّمِيعِ بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ.
قَالَ بَعْضُ الصوفية: على الْمُرِيدِ إِقَامَةَ الْمُوَاصَلَاتِ وَإِدَامَةَ التَّوَسُّلِ بِفُنُونِ الْقُرُبَاتِ، وَاثِقًا بأن ما تقدمه مِنْ صِدْقِ الْمُجَاهَدَاتِ سَتَزْكُو ثَمَرَتُهُ فِي آخِرِ الْحَالَاتِ، وَأَنْشَدُوا:
سَابِقْ إِلَى الْخَيْرِ وَبَادِرْ بِهِ ... فَإِنَّمَا خَلْفَكَ مَا تَعْلَمُ
وَقَدِّمِ الْخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ ... عَلَى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدُمُ