فهرس الكتاب

الصفحة 1306 من 4059

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) }

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ الْمُلْكَ الْكَافِرَ؟

قُلْتُ: فِيهِ قَوْلَانِ: آتَاهُ مَا غَلَبَ بِهِ وَتَسَلَّطَ مِنَ الْمَالِ وَالْخَدَمِ وَالْأَتْبَاعِ، وَأَمَّا التَّغْلِيبُ وَالتَّسْلِيطُ فَلَا.

وَقِيلَ: مَلَّكَهُ امْتِحَانًا لِعِبَادِهِ. انْتَهَى.

وَفِيهِ نَزْعَةٌ اعْتِزَالِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا التَّغْلِيبُ وَالتَّسْلِيطُ فَلَا، لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي تَغَلَّبَ وَتَسَلَّطَ، فَالتَّغْلِيبُ وَالتَّسْلِيطُ فِعْلُهُ لَا فِعْلَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ.

(إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)

هَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سُؤَالٍ سَبَقَ مِنَ الْكَافِرِ، وَهُوَ أَنْ قَالَ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّتِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَإِلَّا فَلَا يُبْتَدَأُ كَلَامٌ بِهَذَا.

وَاخْتَصَّ إِبْرَاهِيمُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ لِأَنَّهُمَا أَبْدَعُ آيَاتِ اللَّهِ وَأَشْهَرُهَا، وَأَدُلُّهَا عَلَى تَمَكُّنِ الْقُدْرَةِ.

(ورَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الْكَافِرَ وَيُحْيِيهِ وَيُمِيتُهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيكَ وَفِي أَشْبَاهِكَ بِمَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنْتَ وَلَا أَشْبَاهُكَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ الْمُشَاهَدَيْنِ لِلْعَالَمِ اللَّذَيْنِ لَا يَنْفَعُ فِيهِمَا حِيَلُ الْحُكَمَاءِ وَلَا طِبُّ الْأَطِبَّاءِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَيْضًا إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ

وَفِي قَوْلِهِ: (الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لِأَنَّهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْخَبَرَ، إِذَا كَانَ بِمِثْلِ هَذَا، دَلَّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، فَتَقُولُ: زَيْدٌ الَّذِي يَصْنَعُ كَذَا، أَيِ: الْمُخْتَصُّ بِالصُّنْعِ.

(قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)

وَلَمْ يَقُلْ: أَنَا الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَكَانَ الْحِسُّ يُكَذِّبُهُ إِذْ قَدْ حُيِيَ نَاسٌ قَبْلَ وُجُودِهِ وماتوا، وإنما أرادا أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ الَّذِي ادَّعَيْتَ فِيهِ الِاخْتِصَاصَ لِرَبِّكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَنَا مُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ.

قِيلَ: أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، قَتَلَ أَحَدَهُمَا وَأَرْسَلَ الْآخَرَ.

وَقِيلَ: أَدْخَلَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ بَيْتًا حَتَّى جَاعُوا، فَأَطْعَمَ اثْنَيْنِ فَحَيِيَا، وَتَرَكَ اثْنَيْنِ فَمَاتَا.

وَقِيلَ: أَحْيَا بِالْمُبَاشَرَةِ وَإِلْقَاءِ النُّطْفَةِ، وَأَمَاتَ بِالْقَتْلِ.

(قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ)

لَمَّا خَيَّلَ الْكَافِرُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِرَبِّ إِبْرَاهِيمَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمُ مِنْ مُعَارَضَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ فَهْمِهِ أَوْ مُغَالَطَتِهِ، فَإِنَّهُ عَارَضَ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَتَدَبَّرِ اخْتِلَافَ الْوَصْفَيْنِ، ذَكَرَ لَهُ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَلَا يُغَالِطَ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ ذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ؟ أَوْ هُوَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَالِانْتِقَالُ فِيهِ مِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ أَوْضَحُ مِنْهُ؟ وَإِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ: وَكَانَ الِاعْتِرَاضُ عَتِيدًا، وَلَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا سَمِعَ جَوَابَهُ الْأَحْمَقَ لَمْ يُحَاجَّهُ فِيهِ، وَلَكِنِ انْتَقَلَ إِلَى مَا لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْجَوَابِ لِيُبْهِتَهُ أَوَّلَ شَيْءٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِانْتِقَالِ مِنْ حُجَّةٍ إِلَى حُجَّةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَمَعْنَى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وَكَانَ الِاعْتِرَاضُ عَتِيدًا: أَيْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، لَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: أَحْيِ مَنْ أَمَتَّ، فَكَانَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ نُصْرَةُ الْحُجَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَانْقَطَعَ بِهِ، وَأَرْدَفَهُ إِبْرَاهِيمُ بِحُجَّةٍ ثَانِيَةٍ، فَحَاجَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَصْدًا لِقَطْعِ الْمُحَاجَّةِ، لَا عَجْزًا عَنْ نُصْرَةِ الْحُجَّةِ الْأُولَى.

وَقِيلَ: كَانَ نُمْرُوذُ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ: إِبْراهِيمَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أَيِ: الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا لَا مَنْ نَسَبْتَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ إِبْرَاهِيمُ افْتِرَاءَهُ الْعَظِيمَ، وَادِّعَاءَهُ الْبَاطِلَ تَمْوِيهًا وَتَلْبِيسًا، اقْتَرَحَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَأُفْحِمَ وَبَانَ عَجْزُهُ وَظَهَرَ كَذِبُهُ.

وَقِيلَ: لَمَّا قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ لَهُ النُّمْرُوذُ: وَأَنْتَ رَأَيْتَ هَذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ رَآهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إِلَى مَا هُوَ وَاضِحٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ.

وَقِيلَ: انْتَقَلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الشَّمْسَ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَقْهُورَةٌ.

وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ انْتِقَالًا مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ، بَلِ الدَّلِيلُ وَاحِدٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَهَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، قَالُوا: وَهُوَ إِنَّا نَرَى حُدُوثَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِحْدَاثِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ قَادِرٍ يَتَوَلَّى إِحْدَاثَهَا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَهَا أَمْثِلَةٌ. مِنْهَا: الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ.

وَمِنْهَا: السَّحَابُ وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ.

وَمِنْهَا: حَرَكَاتُ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ. وَالْمُسْتَدِلُّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ، فَكَانَ مَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بَابِ مَا يَكُونُ الدَّلِيلُ وَاحِدًا لَا أَنَّهُ يَقَعُ الِانْتِقَالُ عِنْدَ إِيضَاحِهِ مِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ آخَرَ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ مَا يَقَعُ الِانْتِقَالُ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَلَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ الَّذِي سَأَلَهُ الْكَافِرُ عَنْ رَبِّهِ حِينَ ادَّعَى الْكَافِرُ الرُّبُوبِيَّةَ، قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى دَلِيلٍ أَوْ مِثَالٍ أَوَضَحَ وَأَقْطَعَ لِلْخَصْمِ، عَدَلَ إِلَى الِاسْمِ الشَّائِعِ عِنْدَ الْعَالَمِ كُلِّهِمْ فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ قَرَّرَ بِذَلِكَ بِأَنَّ رَبَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ الَّذِي أَوَجَدَكَ وَغَيْرَكَ أَيُّهَا الْكَافِرُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنَّ رَبِّي يَأْتِي بِالشَّمْسِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ كُلِّهِمْ هُوَ رَبُّهُ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ، وَلِأَنَّ الْعَالَمَ يُسَلِّمُونَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَّا إِلَهُهُمْ.

(فائدة)

وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ هَذَا الْكَافِرَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِذْ مَنْ كَابَرَ فِي ادِّعَاءِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ قَدْ يُكَابِرُ فِي ذَلِكَ وَيَدَّعِيهِ. وَهَلِ الْمَسْأَلَتَانِ إِلَّا سَوَاءٌ فِي دَعْوَى مَا لَا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعْلَهُ بُهُوتًا دَهِشًا مُتَحَيِّرًا مُنْقَطِعًا إِكْرَامًا لِنَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِظْهَارًا لِدِينِهِ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ، لِظُهُورِ كَذِبِهِ لِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، إِذْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَالشَّمْسُ كَانَتْ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَنَا آتِي بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ لِعِلْمِهِ بِعَجْزِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ لَهُ سَكَتَ وَانْقَطَعَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت