الصفحة 9 من 27

إذًا، أكاديميًا وعمليًا ... الخ، لا يزال الخطاب المروج لـ «العولمة: حرية التجارة العالمية» يستمد شرعيته من توليفة ركبت عمدًا لتجمع بين (التجارة / التنمية) ضمن أطروحة تتعلق بالتبشير لوجود علاقة سببية متينة، عضوية ومباشرة بين تحرير «التجارة الخارجية» بكامل مستويات تدفقها، وبين ارتفاع معدل «التنمية الاقتصادية» وتوازن عدالة توزعها كونيًا ومن ثم النزول إلى مستوى الهرم الداخلي للاقتصاد للقضاء على «الفقر» وصون «البيئة» ... الخ، بما معناه أن رفع معدل «الانفتاح التجاري» بشكل عام مع العالم الخارجي عبر آليات الرفع الطوعي لكافة لقيود الحمائية والتنظيمية (التي أمست عائقًا للتنمية!!؟) سوف يؤدي فعلًا إلى الخير الوفير الذي سوف يعم البرية دون استثناء، فـ «التجارة الخارجية» بحسب معتنقي هذه الرؤية (ومروجي هذا الفقه) هي المحرك الأوحد لخلق «النمو» والقاطرة الأكثر نجاعةً في تحويل «التنمية المستدامة» ، وأن تحريرها (أو حريتها) هو أفضل السبل للتقسيم العادل للعمل دوليًا والتخصيص النافع للموارد عالميًا ومن ثم نزولا نحو قطاعات «السوق الوطنية» وفئاته المجتمعية.

ابستمولوجيًا، الربط السابق يدفع للتساؤل بحدة حول الكثير من جوانب هذا الطرح الذي يغلب على فقهه الكثير من التعميم والتبسيط:

? فهل القول بالعلاقة السببية بين «حرية التجارة الخارجية» و «التنمية الاقتصادية المستدامة» خطاب تبشيري نابع من فقه مضلل غير واعي؟ أم أنه رؤية واقعية تستمد قوة حجتها من أحداث «التاريخ الاقتصادي» ومعاينات واقع التجارة العالمية؟

? وهل فعلًا أن «السياسة الحمائية» أمست عائقًا لـ «التنمية المستدامة» ؟ ما يستلزم ضرورة التخلص من آلياتها؟ أم أن للتاريخ ما يقول حول موضوعة العلاقة الترابطية بين حماية «السوق الوطنية» ومسارات تشكلها وأدوات استكمال بناء ركائزها الاقتصادية؟

فكريًا، يدعي هذا التيار أنه يستند في رؤاه للميراث النظري لـ «الفكر الكلاسيكي La pensee classique» الذي كان واضحًا في زعمه للعلاقة السببية بين «التجارة» و «التنمية» ، فباختصار ليس من مصلحة أية «دولة» أن تنتج سلعة ما وبمقدورها أن تستوردها بتكلفة إنتاج أقل بالمطلق (وفق رؤية «آدم سميث» ) أو نسبيًا (بحسب تفسيرات «دافيد ريكاردو» ) ، بما معناه أن مصلحة كافة الدول أن تتخصص كل أمة في الصناعات أو فروع الإنتاج التي تدرك أنها تمتلك فيها مزايا اقتصادية (مطلقة أو نسبية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت