طرحها، وتوضيح أماكن الخلل في التشخيص العولمي لها، ومن ثم نقد «الحلول الليبرالية» المقدمة كوصفات علاجية لهموم البشر وتعاستهم.
القضية فيما تعلق بخطاب «العولمة» حول قضايا «الفقر» و «البيئة» ... الخ، معقدة وشاسعة الطرح والأطروحات فيها تتوالد على الدوام وهي أكثر من أن تتضمنها دراسة اقتصادية بهذا الوضع محدد الصفحات والغايات، ما يدفع بالضرورة إلى حتمية انتقاء «مفصل بحثي» ومناقشته فيما يمكن أن يستعمل في تعميم الرؤية أو إثباتها بأقل تقدير. ومن كل ذلك، ولعدة مرجعيات (شخصية وموضوعية) ، سوف نقتصر ضمن دراستنا هذه على نقد (Critique) «الخطاب الليبرالي Le discours liberal» الذي تتبناه أكبر «المؤسسات الاقتصادية الدولية» : «المنظمة العالمية للتجارة OMC» ، «صندوق النقد الدولي FMI» و «مجموعة البنك العالمي GBM» تحديدًا ما تعلق بـ: إشكالية «التنمية المستدامة Le developpement durable» و «تحرير التجارة Liberation du commerce» .
آخر المطاف منظومة «لحظة العولمة الراهنة» [1] هي مرتجى ليبرالي لتشكيل نظام اقتصادي دولي تنضوي تحته كافة اقتصاديات العالم (المراكز والأطراف) . وهي ووفق هذا الطرح ـ أي العولمة الراهنة ـ حالةُ دعوة ضمنية لضرورة خلق «سلطة فوق قومية» تتضمن إطار مؤسساتي اقتصادي، مالي وتجاري عالمي يحدد ملامح التجسيد الميداني لمقتضيات وسبل توطين «عقيدة العولمة الاقتصادية» على أرض واقع «اقتصاد العالم المعولم» ، ويسير شؤون اقتصاد «المجتمع العولمي» .
(1) . بلا شك: إن «التغير» هو أكثر الأشياء ثباتًا في حركة التاريخ، وأن «التسلسل» هو أكثر الأشياء بداهة في مسارات التدوين بالتأريخ. هذه المسلمة التاريخية نعتقد أنها تنشد حقيقة زمنية واحدة فحواها: أن مرحلة «العولمة» الراهنة ليست من نتاج فراغ زمني، وأنا ليست ظاهرة لا ماضي لها، بل هي في جوهرها مرحلة تطورية لمرحلة ما سبقتها وشكلت حجر الأساس لها. كما وأنها ـ العولمة ـ لا يمكن إلا أن تكون عتبة زمنية سوف تشكل حجر الأساس لمستقبلٍ ما ولمرحلة لاحقة ما. هذا المدخل التأريخي السريع، سوف يشكل قوة الحجة التي يستند عليها استعمالنا المفرط لمفردة «لحظة العولمة» بدلًا من مصطلح «العولمة» الأكثر شيوعًا. هذا الاستعمال (المستحدث) الذي نأمل أن يكون أقرب للصواب باعتبار «العولمة» لا تتعدى حدود كونها لحظةً زمنية نتاج ماضٍ ما وسوف تشكل دون ريب عتبة للاحق ما / الباحث.
نقلًا عن: نورالدين جوادي، قراءة نقدية في أطروحة القطع والتقاطع، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 356 / أكتوبر 2008.