صنوًا مع بداياتها، تجسدت أشراط تلك الرؤية مع نهايات «الحرب العالمية الثانية» ، حيث قد بدأت تنتقل غير قليل من مقومات «السيادة الوطنية L'autorite nationale» (تحديدًا منها الاقتصادية) من «سلطة الدولة» إلى «سلطة المؤسسات الدولية» التي أضحت تدير «الاقتصاد العالمي L'economie mondiale» بالمطلق برغم أن عمرها لم يجاوز في مطلقه السبعة عقود، وأن شرعية وجودها لم تخضع أبدًا لأية مستويات «استفتاء دولي» شارك فيه الجميع بالرفض أو القبول، بقدر ما كان ظهورها ـ أي تلك المؤسسات ـ نتاج اتفاقات بينية لـ «المراكز الرأسمالية» ، فلا نعتقد أن أي من تلك «الهيئات» خضعت في تأسيسها لرغبة أي من «الدول النامية Les pays sous-developpes» ولو بالوكالة:
-فـ «صندوق النقد الدولي» و «البنك العالمي» أنشاء خلال مؤتمر «بروتون وودز Bretton-woods» بـ «الولايات المتحدة الأمريكية» والذي ضم 44 مقعدًا فقط خصصت لممثلي «الدول الصناعية الكبرى» آن ذاك.
-و «المنظمة العالمية للتجارة» ، الوضع لا يختلف كثيرًا باعتبار أن «الجات GATT» [1] وبرغم أن عدد أعضائه من «الدول النامية» (13 دولة) تجاوز مثيله من «الاقتصاديات المتقدمة Les economies developpes» (10 دول) فقد أبرم وفق مقاسات هذه الأخيرة، ولا تزال تلك «الاقتصاديات الهشة» على الهامش.
موضوعيًا، وبرغم تلك الوضعية القسرية إلا أن ذلك يمنع من توجيه بعض النقد الموضوعي لتلك المؤسسات حول: بنيتها، سياساتها، عملها، وطرق تعاملها مع المشاكل، خاصة منها ما تعلق بموضوعات: «التنمية» ، «حقوق الإنسان» و «الفقر» و «البيئة» ... الخ، وهو ما سوف تتمحور حوله هذه «المداخلة» التي سوف نخصصها وكما أسلفنا الذكر كـ: إطلالة في صلف «العولمة: الليبرالية الاقتصادية الجديدة» عبر قراءة
(1) . مفردة «الجات» هي النطق العربي المباشر للمختصر الأجنبي (GATT) والذي يمثل الاختصار بتجميع أحرف بداية كلمات عبارة باللغة الإنجليزية هي: «General Agreement on Tariffs and Trade» ، وتعني باللغة العربية «الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة» . وهو اتفاق تجاري «متعدد الأطراف Multilateral» أبرم بالعاصمة السويسرية «جنيف» بين 23 دولة يوم 30 أكتوبر 1947 وأدخل حيز النفاذ بعد ثلاثة أشهر (أي 01 جانفي 1948) ، بمرتجى إعادة النظر في وضع «التجارة الدولية» السلعية بين تلك «الدول المتعاقدة» ومحاولة ترميم الأعطاب التي أحدثتها «الحرب العالمية الثانية» / الباحث.