الصفحة 13 من 27

أما على مستوى التأريخ الحديث، فخلال النصف الثاني من القرن الماضي شهدت الكثير من الاقتصاديات مرحلة من التوسع السريع والرخاء غير المسبوقين، وذلك بسبب جوهري هو ما خلقته «نماذج التنمية الثلاثة» التي سادت تلك الفترة من رفع لمستويات «الأداء الاقتصادي» وتحسين لمعدلات الوضع الاجتماعي العالميين ... الخ، باعتبارها نماذج ترتكز في سياساتها الاقتصادية على مبادئ وأدوات «السياسة الحمائية» واستراتيجيات دعم المنتج المحلي. وقد أنتجت تلك النماذج الثلاث (في الغرب والشرق، والجنوب) والمؤسسة تحديدًا (وكما ذكرنا) على عمق دور «الدولة» في تسيير الشؤون الاقتصادية ببعديها الداخلي والخارجي، الظروف الملائمة التي قام على أساسها رواج العقود الثلاثة الأولى التي تلت «الحرب العالمية الثانية» (1945 ـ 1975) والتي عمد كثير الدارسين لوصفها بـ «ثلاثنية الرفاه الاقتصادي» .

بسرعة، لم يكتب لـ «ثلاثينية الرفاه الاقتصادية» لما بعد «الحرب العالمية الثانية» دخول عامها الحادي والثلاثين، فمع بدايات الربع الأخير من القرن الماضي عج الواقع الاقتصادي العالمي بكل مظاهر الفقر والحرمان (يموت كل يوم 100 ألف إنسان من الجوع أو بسبب إحدى آثاره) ، وتشبع بجميع أشكال الحمائية الجديدة التي تمارسها المراكز عن منتجات أطراف «السوق العالمية» . كما وتراجعت وبشكل مزمن حال «سوق العمل» في الدول الصناعية نفسها وتدهور معدل نمو «الاقتصادي العالمي» فلم يتجاوز ـ بحسب ما ورد في تقرير «الأنكتاد 1997 ـ عتبة الـ 2 % طيلة فترة عقد التسعينيات مقارنة بمعدل نمو قدره 3 % في فترة الثمانينيات و 5 % في فترة الخمسينيات والستينيات من نفس القرن. وأخيرًا وليس آخرًا يبرز ذلك الواقع طبقية حادةً في تركيبة «السوق العالمي» مؤداها عدم التماثل بين المتعاملين فيه (مراكزًا مراكزًا، مراكزًا وأطرافًا، وأطرافًا أطرافًا) من حيث «الثقل الاقتصادي» من جهة، وفيما يتعلق بالنصيب من «التنمية العالمية» وصفقات «التبادل الدولي» من جهة ثانية. وشاع عند الجميع أن وكل عود الرفاهية التي ناد بها دعاة «العولمة: حرية التجارة الخارجية» رحلت مع نهايات سبعينيات القرن الماضي، وأنه وبقدر ما أنجبت تلك النماذج الثلاثة غير الرأسمالية فترة من «الرفاه الاقتصادي» للعالم، بقدر ما شكل تآكلها التدريجي ومن ثم انتهائها وزرًا كبيرًا على كل من في العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت