رغبة التصحيح، يتوقف عندما لا يكون الرأي الشرعي متفقا مع رغبة الإدارة، فقد عُقدت خلال السنة الماضية لقاءات مع عدد من هذه المصارف تم فيها الوصول إلى مقترحات شرعية بديلة تصحح عقود الربا القديمة، وقُدِّمت إليهم هذه البدائل الشرعية على أمل أن يطلعوا عليها ويعيدوها للاعتماد من الجهة الشرعية، فانقطع الاتصال من جهتهم، وكأن شيئا لم يكن، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وأخذوا بفتوى الإدارة، لا بفتوى الرقابة، فكان العمل معهم استهلاكا للوقت لم ينتج عنه تغيير.
حدث هذا مع مصرف الادخار، وبعض المصارف التجارية الأخرى، وكان آخرَها اتصال إدارة المبيعات في أحد المصارف العاملة بتكليف من إدارة المصرف، أبلغني تحمس المصرف لفتح نافذة للمرابحة الإسلامية، ويريد موافقة شرعية على ذلك، ويريدها فورا إن أمكن، لأن المصرف يتطلع إلى تصحيح العقود وفق الضوابط الشرعية بفارغ الصبر، فسررت بذلك ورشحت له على الفور من رأيته يصلح من أهل العلم ليتولى الرقابة الشرعية على عقودهم، كما اقترحت عليه الخطوات العملية الأخرى الضرورية التي يجب اتباعها لضمان الوصول إلى تطبيق المعاملات الشرعية على قاعدة صحيحة، وظننت من شدة حماسه أن يباشر من التو في تنفيذ ما اتفقنا عليه، وعندما راجعته بعد عدة أيام وجدته لم يفعل شيئا، لأنه عندما عرض الخطوات المطلوبة ـ التي رأيتها ضرورية ـ على إدارة المصرف، رفضت الإدارة الأمر جملة وتفصيلا، ورأت في الخطوات المقترحة تعقيدا للإجراءات، وأنه بإمكانهم أن يأخذوا عقود المرابحة التي تجريها بعض المصارف الأخرى في الداخل أو الخارج، وذلك كاف في رأيهم أن تكون عقودهم شرعية صحيحة، بأقل جهد وأيسر تكاليف.
وهذا التصور الذي وصلت إليه إدارة المصرف لتصحيح العقود وجعلها شرعية حسب رأيها، لو طلب منها أن تطبقه في إجراءات مصرفية أخرى محاسبية أو قانونية لتسيير أعمال المصرف لرفضته، ولرأت أنه يعد إخلالا بقواعد العمل المصرفي غير مقبول يعاقب عليه القانون، لكنه في الحكم على التعامل بأنه شرعي صار مقبولا، فانظر كيف يكون التساهل والتهاون فيما يتعلق بأمر الشرع والدين الذي يعاقب عليه رب العالمين، والحذر والتحوط فيما يكون من أمر الدنيا الذي يعاقب عليه أرباب القانون.
تحول العمل المصرفي إلى عمل إسلامي لا يكون فقط في الحصول على نماذج عقود معتمدة من هيئة شرعية، فذلك هو الجزء الأسهل من المهمة، أما الجزء الأشق والأثقل حملا، فهو كيف يمكن تطبيق هذه العقود على وجه سليم كما أرادتها الهيئة الشرعية، والحفاظ على